فلنختبر الرهانات واحداً واحداً بعد نجاع العملية تكتيكياً بشكل باهر وغير مسبوق في تاريخ الصراع بين الفسلطينيين والإحتلال الاسرائيلي منذ العام 1948.
الرهان الأول: إسرائيل المنقسمة
نعود إلى أولى الأوراق.
قبل الهجوم كانت إسرائيل تعيش انقساماً داخلياً حاداً. وكان منطق المؤيدين يقول إن دولة تعاني أزمة سياسية واجتماعية بهذا الحجم قد تكون أقل قدرة على إدارة صدمة كبيرة وحرب طويلة.
ماذا حدث؟
في الأيام الأولى وقع تقريباً السيناريو الذي حذر منه معسكر "لا": الصدمة لم توسع الانقسام الإسرائيلي فوراً، بل أعادت ترتيب الأولويات داخله. الخلاف حول التعديلات القضائية تراجع أمام الحرب. خصوم سياسيون دخلوا في ترتيبات طوارئ.
وجزء كبير من المجتمع الإسرائيلي الذي كان يتظاهر ضد الحكومة وجد نفسه أمام حدث قرأه باعتباره تهديداً أمنياً مباشراً.
وهنا يجب أن نكون دقيقين، لأن هذا لا يعني أن الخلافات الإسرائيلية اختفت، فهي عادت بقوة لاحقاً، وظهرت انقسامات عميقة حول إدارة الحرب، وصفقة الرهائن، ومسؤولية القيادة عن إخفاق 7 أكتوبر، واليوم التالي للحرب؛ لكن في اللحظة الأكثر أهمية عسكرياً بالنسبة إلى غزة — الأسابيع الأولى — لم تنتج الأزمة الداخلية الإسرائيلية الشلل الذي كان يمكن أن يراهن عليه صاحب الهجوم، بل حدث شيء آخر: أصبح من الممكن للحكومة الإسرائيلية أن تعبئ المجتمع والجيش حول هدف الحرب.
وهنا يحصل معسكر الـ12% على أول نقطة لصالح تحذيره: الخصم المنقسم داخلياً ليس بالضرورة خصماً منقسماً عندما يتعرض لهجوم خارجي.
لكن هل يعني ذلك أن قراءة ضعف "إسرائيل" كانت خاطئة بالكامل؟ ليس بهذه البساطة.
فالسنوات التالية أظهرت أن 7 أكتوبر فتح أيضاً أزمة إسرائيلية عميقة حول الثقة بالمؤسسة العسكرية والاستخباراتية والسياسية، وحول مسؤولية الإخفاق، وحول الرهائن، وحول مستقبل الحرب.
أي أن العملية لم تُنهِ الانقسام الإسرائيلي، لكنها غيّرت موضوعه.
قبل 7 أكتوبر كان السؤال: ما شكل الدولة الإسرائيلية وعلاقة الحكومة بالقضاء؟
بعده أصبح السؤال أيضاً: من المسؤول عن أكبر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل الحديث؟ وكيف تنتهي الحرب؟ وماذا عن الأسرى في غزة؟
وهكذا فإن الرهان لم يفشل بالكامل ولم يتحقق كما ربما كان متوقعاً. ما خصل بالضبط هو أن "إسرائيل" لم تتخلص من أزمتها الداخلية، لكنها استطاعت في المرحلة الأولى تحويل الصدمة إلى تعبئة للحرب، وهذا فرق استراتيجي بالغ الأهمية.
الرهان الثاني: الجبهات ستتحرك
نعود إلى السؤال الذي طرحناه في غرفة القرار في الجزء الأول: هل كان السنوار يملك خطة حرب، أم نظرية عن الكيفية التي سيتصرف بها الآخرون عندما تبدأ الحرب؟
الآن أصبح لدينا جواب جزئي: الجبهات تحركت بالفعل. لبنان تحرك، اليمن تحرك، فصائل عراقية تحركت، ثم وصلت المواجهة لاحقاً إلى مستويات مباشرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية و"إسرائيل".
بالتالي، إذا كان الرهان هو: لن تبقى غزة وحدها جغرافياً في الصراع، فهذا الرهان تحقق بدرجة واضحة.
لكن هذا ليس السؤال الذي وضعناه على الطاولة. السؤال كان: ما وظيفة تحرك هذه الجبهات؟
هل المطلوب أن تتحرك، أم المطلوب أن تمنع "إسرائيل" من تحقيق أهدافها في غزة؟
الفرق بين السؤالين سيغير تقييم النتيجة بالكامل.
الجبهة اللبنانية: تحركت... ولكن إلى أين؟
في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 بدأ حزب الله الإسناد على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة بضرب أعمدة التجهيزات الفنية المخصصة للتجسس والإستعلام الاسرائيلية في منطقة مزارع شبعا اللبنانية المحتلة، فردّت قوات الاحتلال الاسرائيلية باستهداف أطراف القرى على طول الحدود. وفي رد على الرد طال استهداف المقاومة كل التجهيزات الفنية وتحصينات المواقع الاسرائيلية على طول الحدوج...مع الوقت تحولت الجبهة إلى حرب استنزاف طويلة.
اضطرّ الجيش الإسرائيلي إلى تخصيص قوات للشمال، وأُخلي سكان من المستعمرات الحدودية، كما نزح لبنانيون من الجنوب، واتسع نطاق الضربات تدريجياً.
من زاوية غزة، هذا ليس حدثاً هامشياً، "إسرائيل" أصبحت تقاتل وتستعد على أكثر من جبهة. إذاً، فمفهوم "وحدة الساحات" لم يكن وهماً بالكامل.
في تموز 2022، أي قبل 15 شهراً من عملية 7 أكتوبر، كشف الأمين العام لحزب الله في حينها السيد حسن نصر الله (رض) أنه وخلال معركة سيف القدس في فلسطين خلال أيار/مايو 2021 عن تخصيص غرفة عمليات مشتركة جمعت كلاً من حركة حماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني لإدارة العملية ضد الاحتلال الإسرائيلي في فسلطين المحتلة، وأفضت حينها إلى تحقيق إنجازات نوعية، سواء على المستوى العملياتي أو على المستوى الأمني.