← العودة إلى التحقيقات
سياسة

هل أخطأ السنوار؟ ماذا لو لم يحصل 7 أكتوبر؟ الجزء 2

ضياء أبو طعام • 2026-10-24 • 5,126 مشاهدة

يتناول الجزء الثاني من هذا التحقيق مقارنة الرهانات التي توقعتها خطة عملية 7 أكتوبر 2023 "طوفان الأقصى"، مع ما تحقق فعلياً على الأرض بعد هذا التاريخ، ثم نجيب في الجزء الثالث عن السؤال الرئيسي: ماذا لو لم يحصل 7 أكتوبر؟

هل أخطأ السنوار؟ ماذا لو لم يحصل 7 أكتوبر؟ الجزء 2
استمع إلى التحقيق

نسخة صوتية مرفوعة من فريق التحرير.

ملف صوتي
0:00 0:00

صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، انتهى الجزء الذي كانت حماس تتحكم به بصورة مباشرة.

بدأت العملية، تحققت المفاجأة، وانهارت أجزاء من المنظومة الدفاعية الإسرائيلية المحيطة بغزة في الساعات الأولى.

قُتل مدنيون وعسكريون إسرائيليون، واقتيد 251 شخصاً إلى غزة وفق الحصيلة الإسرائيلية التي اعتمدتها تقارير لاحقة لوكالات الأنباء.

لكن من تلك اللحظة تحديداً، بدأت القرارات تنتقل من يد حماس إلى أيدي الآخرين، تماماً كما كان متوقعاً في النقاشات الافتراضية التي سبقت العملية (راجع الجزء الأول من هذا التحقيق).

·       حكومة نتنياهو تقرر حجم الرد.

·       حزب الله يقرر مستوى دخوله.

·       إيران تقرر حدود تدخلها.

·       الولايات المتحدة تقرر حجم إسنادها لـ"إسرائيل".

·       الضفة الغربية تقرر، بتفاعلاتها الداخلية، حجم تحركها.

·       الرأي العام العالمي يقرر كيف يقرأ الحرب.

لذلك لن يكون سؤالنا الآن: ماذا حدث بعد 7 أكتوبر؟

بل: ماذا حدث للرهانات التي جعلتنا، داخل غرفة السادس من أكتوبر، نعطي 78% لخيار التنفيذ؟

حساب قناة الجزيرة على موقع يوتيوب

الفصل العاشر | اختبار الرهانات

الفصل العاشر | اختبار الرهانات

فلنختبر الرهانات واحداً واحداً بعد نجاع العملية تكتيكياً بشكل باهر وغير مسبوق في تاريخ الصراع بين الفسلطينيين والإحتلال الاسرائيلي منذ العام 1948.

الرهان الأول: إسرائيل المنقسمة

نعود إلى أولى الأوراق.

قبل الهجوم كانت إسرائيل تعيش انقساماً داخلياً حاداً. وكان منطق المؤيدين يقول إن دولة تعاني أزمة سياسية واجتماعية بهذا الحجم قد تكون أقل قدرة على إدارة صدمة كبيرة وحرب طويلة.

ماذا حدث؟

في الأيام الأولى وقع تقريباً السيناريو الذي حذر منه معسكر "لا":  الصدمة لم توسع الانقسام الإسرائيلي فوراً، بل أعادت ترتيب الأولويات داخله. الخلاف حول التعديلات القضائية تراجع أمام الحرب. خصوم سياسيون دخلوا في ترتيبات طوارئ.

وجزء كبير من المجتمع الإسرائيلي الذي كان يتظاهر ضد الحكومة وجد نفسه أمام حدث قرأه باعتباره تهديداً أمنياً مباشراً.

وهنا يجب أن نكون دقيقين، لأن هذا لا يعني أن الخلافات الإسرائيلية اختفت، فهي عادت بقوة لاحقاً، وظهرت انقسامات عميقة حول إدارة الحرب، وصفقة الرهائن، ومسؤولية القيادة عن إخفاق 7 أكتوبر، واليوم التالي للحرب؛ لكن في اللحظة الأكثر أهمية عسكرياً بالنسبة إلى غزة — الأسابيع الأولى — لم تنتج الأزمة الداخلية الإسرائيلية الشلل الذي كان يمكن أن يراهن عليه صاحب الهجوم، بل حدث شيء آخر: أصبح من الممكن للحكومة الإسرائيلية أن تعبئ المجتمع والجيش حول هدف الحرب.

وهنا يحصل معسكر الـ12% على أول نقطة لصالح تحذيره: الخصم المنقسم داخلياً ليس بالضرورة خصماً منقسماً عندما يتعرض لهجوم خارجي.

لكن هل يعني ذلك أن قراءة ضعف "إسرائيل" كانت خاطئة بالكامل؟ ليس بهذه البساطة.

فالسنوات التالية أظهرت أن 7 أكتوبر فتح أيضاً أزمة إسرائيلية عميقة حول الثقة بالمؤسسة العسكرية والاستخباراتية والسياسية، وحول مسؤولية الإخفاق، وحول الرهائن، وحول مستقبل الحرب.

أي أن العملية لم تُنهِ الانقسام الإسرائيلي، لكنها غيّرت موضوعه.

قبل 7 أكتوبر كان السؤال: ما شكل الدولة الإسرائيلية وعلاقة الحكومة بالقضاء؟

بعده أصبح السؤال أيضاً: من المسؤول عن أكبر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل الحديث؟ وكيف تنتهي الحرب؟ وماذا عن الأسرى في غزة؟

وهكذا فإن الرهان لم يفشل بالكامل ولم يتحقق كما ربما كان متوقعاً. ما خصل بالضبط هو أن "إسرائيل" لم تتخلص من أزمتها الداخلية، لكنها استطاعت في المرحلة الأولى تحويل الصدمة إلى تعبئة للحرب، وهذا فرق استراتيجي بالغ الأهمية.

الرهان الثاني: الجبهات ستتحرك

نعود إلى السؤال الذي طرحناه في غرفة القرار في الجزء الأول: هل كان السنوار يملك خطة حرب، أم نظرية عن الكيفية التي سيتصرف بها الآخرون عندما تبدأ الحرب؟

الآن أصبح لدينا جواب جزئي: الجبهات تحركت بالفعل. لبنان تحرك، اليمن تحرك، فصائل عراقية تحركت، ثم وصلت المواجهة لاحقاً إلى مستويات مباشرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية و"إسرائيل".

بالتالي، إذا كان الرهان هو: لن تبقى غزة وحدها جغرافياً في الصراع، فهذا الرهان تحقق بدرجة واضحة.

لكن هذا ليس السؤال الذي وضعناه على الطاولة. السؤال كان: ما وظيفة تحرك هذه الجبهات؟

هل المطلوب أن تتحرك، أم المطلوب أن تمنع "إسرائيل" من تحقيق أهدافها في غزة؟

الفرق بين السؤالين سيغير تقييم النتيجة بالكامل.

الجبهة اللبنانية: تحركت... ولكن إلى أين؟

في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 بدأ حزب الله الإسناد على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة بضرب أعمدة التجهيزات الفنية المخصصة للتجسس والإستعلام الاسرائيلية في منطقة مزارع شبعا اللبنانية المحتلة، فردّت قوات الاحتلال الاسرائيلية باستهداف أطراف القرى على طول الحدود. وفي رد على الرد طال استهداف المقاومة كل التجهيزات الفنية وتحصينات المواقع الاسرائيلية على طول الحدوج...مع الوقت تحولت الجبهة إلى حرب استنزاف طويلة.

اضطرّ الجيش الإسرائيلي إلى تخصيص قوات للشمال، وأُخلي سكان من المستعمرات الحدودية، كما نزح لبنانيون من الجنوب، واتسع نطاق الضربات تدريجياً.

من زاوية غزة، هذا ليس حدثاً هامشياً، "إسرائيل" أصبحت تقاتل وتستعد على أكثر من جبهة. إذاً، فمفهوم "وحدة الساحات" لم يكن وهماً بالكامل.

في تموز 2022، أي قبل 15 شهراً من عملية 7 أكتوبر، كشف الأمين العام لحزب الله في حينها السيد حسن نصر الله (رض) أنه وخلال معركة سيف القدس في فلسطين خلال أيار/مايو 2021 عن تخصيص غرفة عمليات مشتركة جمعت كلاً من حركة حماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني لإدارة العملية ضد الاحتلال الإسرائيلي في فسلطين المحتلة، وأفضت حينها إلى تحقيق إنجازات نوعية، سواء على المستوى العملياتي أو على المستوى الأمني.


لكننا نعيد سؤال غرفة السنوار: هل كان هذا هو المستوى المطلوب؟

-        إذا كان الهدف إشغال جزء من الجيش الإسرائيلي، فقد أدت الجبهة وظيفة واضحة.

-        إذا كان الهدف فرض كلفة إضافية على "إسرائيل"، فعلت.

-        أما إذا كان الرهان أن يؤدي ضغط لبنان إلى منع إسرائيل من مواصلة حربها في غزة، فالنتيجة مختلفة.

فالحرب في غزة استمرت. وهنا ظهرت المسافة التي تحدثنا عنها بين عبارتين متشابهتين ظاهرياً:

"الجبهات ستتحرك لإشغال جزء من الجهد العسكري الإسرائيلي عن غزة"، و: "الجبهات ستدخل حرباً مفتوحة إلى الحد الذي يغيّر نتيجة المعركة في غزة".

الأولى حدثت، أما الثانية فلم تحدث في المرحلة التي كانت غزة تحتاج فيها إلى تغيير ميزان الحرب. بل إن تطور المواجهة اللبنانية كشف لاحقاً حدود الربط نفسه، وحدّة الفارق بين "وحدة الساحات" وبين "غرفة عمليات مشتركة".

ففي أكتوبر 2024، نقلت رويترز أن مسؤولين في حزب الله لم يعودوا يجعلون وقف الحرب في غزة شرطاً معلناً لوقف إطلاق النار في لبنان، بعدما كان الحزب قد ربط جبهته منذ بدايتها بالحرب في غزة. لم يصدر أي بيان رسمي عن حزب الله يصرّح بهذا الشأن، لكن أيضاً لم يصدر أي بيان ينفِ ذلك.

وهنا تظهر نتيجة قاسية للتحليل: الجبهة التي فُتحت لإسناد غزة أصبحت، مع مرور الوقت، جبهة لها حربها وحساباتها وكلفتها ومسار تفاوضها الخاص.

وهذا لا يعني أنها لم تؤثر في "إسرائيل"، بل يعني أن التأثير في "إسرائيل" ليس هو نفسه حماية غزة.

الرهان الثالث: إيران والمحور

في غرفة السادس من أكتوبر قلنا إن إيران تواجه معضلة مختلفة عن حماس.

حماس تستطيع أن ترى في انفجار إقليمي واسع فرصة لكسر الحصار السياسي والعسكري المحيط بالقضية الفلسطينية.

أما إيران فتملك شبكة نفوذ إقليمية كاملة، وبالتالي عليها أن تسأل:

-        هل أستخدم الشبكة؟

-        كم أستخدم منها؟

-        ومتى؟

-        وهل أسمح بتحول الحرب بالوكالة إلى حرب مباشرة؟

ما حدث لاحقاً يعطينا إجابة معقدة.

فلم يبق الصراع محصوراً في غزة: امتد إلى لبنان والبحر الأحمر والعراق، ثم شهدت المنطقة مواجهات مباشرة بين إيران و"إسرائيل"، وفي السنوات التالية اتسعت المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية–الأميركية بدرجات لم تكن قائمة في السادس من أكتوبر. أي أن نظرية التفاعل المتسلسل لم تكن خيالاً، والصدمة الفلسطينية ساهمت في فتح سلسلة من التفاعلات الإقليمية.

لكن هنا يجب أن نفرق بين أمرين: انتشار الحرب، و تشكيل تحالف حرب موحد له هدف عملياتي واحد.

الأول حدث، أما الثاني فلا نستطيع استخلاصه من مجرد تعدد الجبهات.

فكل ساحة احتفظت بحساباتها الخاصة، ومستوى تصعيدها، وتوقيتها، ومصالحها، وحدود استعدادها لتحمل الكلفة.

وهنا نعود إلى المفارقة التي رأيناها قبل فتح الباب:

حماس استطاعت أن تبدأ الحلقة الأولى، لكنها لم تكن تملك الحلقة الثانية والثالثة والرابعة.

ولذلك فإن تحرك المحور أثبت شيئاً ونفى شيئاً آخر.

-        أثبت أن شبكة الساحات حقيقية.

-        لكنه لم يثبت أنها قيادة حرب واحدة.

وهذا فارق ربما كان من أهم الفوارق التي كان ينبغي وزنها ليلة السادس من أكتوبر.

تقرير لقناة الميادين 2024

الرهان الرابع: الرهائن سيصنعون قوة تفاوضية

الآن نعود إلى واحدة من أكثر الأوراق وضوحاً: هل تحول الرهائن إلى قوة تفاوضية؟

الإجابة: نعم، بصورة ملموسة.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أدت هدنة إلى إطلاق عدد كبير من الرهائن مقابل إطلاق فلسطينيين من السجون الإسرائيلية وزيادة دخول المساعدات.

وفي يناير/كانون الثاني 2025، عاد ملف الرهائن ليكون في قلب اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل الرهائن بأسرى فلسطينيين. وتصف رويترز الاتفاق بأنه قام على تبادل مرحلي للرهائن بفلسطينيين محتجزين في السجون الإسرائيلية، إلى جانب وقف للنار وانسحابات ومساعدات.

إذن إحدى فرضيات غرفة القرار ثبتت: الرهينة الإسرائيلي يمتلك قيمة تفاوضية مرتفعة.

لكننا طرحنا سؤالاً ثانياً: هل يمنع وجود الرهائن إسرائيل من خوض حرب واسعة؟

الجواب الذي قدمه الواقع كان مختلفاً: لم يمنع.

استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية رغم وجود رهائن داخل غزة. وبعض الرهائن قُتلوا خلال الحرب، فيما نفذ الجيش الاسرائيلي عمليات عسكرية لتحرير آخرين، وبقي الملف أحد أكثر ملفات السياسة الإسرائيلية الداخلية تفجيراً للخلافات.

إذاً الورقة نجحت في وظيفة وفشلت في أخرى. نجحت باعتبارها: أداة تفاوض، ولم تنجح باعتبارها: درعاً يمنع الحرب. وهذا تمييز بالغ الأهمية، لأن وجود ورقة تفاوض قوية لا يعني بالضرورة أنها تستطيع ردع الخصم عن استخدام القوة، بل يمكن أن يصبح استعادتها بالقوة جزءاً من أهداف الحرب نفسها.

تقرير لقناة الجزيرة 2024

الرهان الخامس: تعطيل التطبيع السعودي–الإسرائيلي

نعود الآن إلى واحدة من أكبر الأوراق السياسية التي وضعناها أمام السنوار.

في السادس من أكتوبر كان المسار السعودي–الإسرائيلي يتحرك. لم يكن اتفاقاً منجزاً، ولم يكن حتمياً، لكن الولايات المتحدة كانت تعمل عليه، وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد تحدث قبل الهجوم عن اقتراب البلدين من اتفاق.

فيديو من قناة سكاي نيوز عربية على موقع يوتيوب - 2024

إذا كان أحد أهداف العملية هو منع الشرق الأوسط من إعادة ترتيب نفسه من دون فلسطين، فماذا حدث لهذا الرهان؟

توقف المسار الذي كان قائماً قبل الحرب بصيغته تلك.

لكن كلمة «توقف» لا تكفي.

الأهم هو أن السؤال الفلسطيني عاد ليصبح شرطاً معلناً في الموقف السعودي.

وبحلول 2025 أكدت الرياض رسمياً أنها لن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل من دون قيام دولة فلسطينية، واستمر هذا الشرط في المشهد السياسي اللاحق؛ وحتى في 2026 بقيت السعودية خارج اتفاقات أبراهام، مع استمرار المساعي الأميركية من دون علاقات دبلوماسية سعودية–إسرائيلية.

من زاوية غرفة السادس من أكتوبر، هذه نتيجة مهمة. فأحد المخاوف كان: أن تستطيع إسرائيل الاندماج إقليمياً بينما تتراجع القضية الفلسطينية إلى الهامش.

بعد 7 أكتوبر أصبح تجاوز الملف الفلسطيني أصعب سياسياً.

لكن مرة أخرى، يجب ألا نقف عند نصف النتيجة: تعطيل مسار ليس هو نفسه إنتاج مسار بديل.

السؤال الحقيقي ليس: هل تعطّل التطبيع؟ بل: ماذا حصل الفلسطينيون مقابل تعطيله؟

-        هل أنتج دولة؟ الإجابة حتماً: لا.

-        هل أوقف الاستيطان نهائياً؟ الإجابة أيضاً: لا.

-        هل أعاد بناء نظام سياسي فلسطيني موحداً وقادراً؟ الإجابة: ليس بمجرد ذاته.

إذن يمكن تسجيل النتيجة هكذا: نجحت الصدمة في جعل تجاهل فلسطين في إعادة ترتيب الإقليم أكثر صعوبة، لكن تحويل هذا التعطيل إلى مكسب فلسطيني دائم بقي مسألة أخرى.

وهذا الفرق سيلاحقنا حتى تتكشّف نتيجة هذه الحرب الدائرة في المنطقة من 7 أكتوبر 2023.

الرهان السادس: إعادة فلسطين إلى مركز العالم

هنا تبدو النتيجة للوهلة الأولى أوضح.

فيديو من حساب قناة TRT على موقع يوتيوب - 30 أكتوبر 2023

قبل 7 أكتوبر كان الخوف الذي وضعناه في غرفة القرار هو أن القضية الفلسطينية تفقد تدريجياً موقعها المركزي. بعد العملية والحرب، أصبحت غزة وفلسطين من أكثر ملفات السياسة الدولية حضوراً:

-        في الجامعات.

-        في الشوارع.

-        في الأمم المتحدة.

-        في المحاكم الدولية.

-        في السياسة الداخلية للدول الغربية.

-        في النقاش حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وفي 10 مايو/أيار 2024، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 143 دولة مقابل 9، مع امتناع 25، لصالح قرار اعتبر فلسطين مؤهلة للعضوية الكاملة ودعا مجلس الأمن إلى إعادة النظر إيجابياً في طلبها، مع توسيع بعض حقوق مشاركتها كدولة مراقب.

إذاً، إذا كان الرهان: إعادة فلسطين إلى مركز السياسة الدولية، فمن الصعب القول إن ذلك لم يحدث.

لكن هنا تحديداً يجب أن نمنع أنفسنا من الوقوع في فخ الرواية. فالاهتمام الدولي ليس دولة، والتعاطف ليس سيادة، والقرار الأممي ليس أرضاً، والمظاهرة في عاصمة غربية لا توقف جرافة في الضفة تلقائياً.

وهكذا يظهر السؤال الذي سيصبح أحد معاييرنا الأساسية:

هل تحولت مركزية فلسطين السياسية إلى قدرة فلسطينية أكبر على الاحتفاظ بالأرض وتقرير المصير؟

إذا كانت الإجابة لاحقاً نعم، يصبح هذا التحول واحداً من أهم النتائج الاستراتيجية للعملية.

أما إذا ربحت فلسطين المعركة على الوعي الدولي بينما استمرت بخسارة الجغرافيا، فسنكون أمام مفارقة مختلفة تماماً: انتصار الرواية وخسارة الأرض.

ولا يمكن حسم أيهما أثقل قبل السنوات المقبلة.

الرهان السابع: غزة تستطيع تحمّل الحرب؟

الآن نصل إلى الورقة الأكثر إيلاماً.

في غرفة السادس من أكتوبر فرّقنا بين سؤالين: كم تستطيع حماس الصمود؟ و: كم يستطيع مجتمع غزة الصمود؟

بعد سنوات أصبح لدينا ما يكفي من الأرقام لكي نفهم حجم الفارق.

فيديو من حساب Associated Press - كانون الثاني/يناير 2025

في أبريل/نيسان 2026، أصدر الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي التقييم النهائي للأضرار والاحتياجات في غزة بعد 24 شهراً من النزاع.

الرقم الإجمالي لاحتياجات التعافي وإعادة الإعمار: 71.4 مليار دولار، منها 26.3 ملياراً مطلوبة خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى فقط. وقدّر التقييم الأضرار المادية بنحو 35.2 مليار دولار، والخسائر الاقتصادية والاجتماعية بنحو 22.7 ملياراً.

لكن الأرقام التالية أكثر دلالة بالنسبة إلى سؤالنا:

-        أكثر من 371  ألف وحدة سكنية  دُمرت أو تضررت.

-        أكثر من نصف المستشفيات أصبحت غير عاملة.

-        تقريباً كل المدارس تعرضت للتدمير أو الضرر.

-        انكمش اقتصاد غزة بنحو 84%.

ووفق الأمم المتحدة، قُدّر التراجع في التنمية البشرية بما يعادل77  عاماً، مع نزوح نحو 1.9 مليون شخص، كثير منهم أكثر من مرة.

هذه ليست أرقاماً هامشية تضاف إلى تقييم الحرب، فهذه الأرقام تعيدنا مباشرة إلى السؤال الذي وضعناه أمام غرفة القرار: هل كان تعريف الصمود عسكرياً أم مجتمعياً؟

قد يبقى مقاتل قادراً على إطلاق النار، وقد تبقى قيادة قادرة على إصدار الأوامر، وقد تبقى بنية عسكرية ما قادرة على إعادة إنتاج نفسها. لكن المجتمع يستطيع في الوقت نفسه أن يفقد البيت والمدرسة والمستشفى والعمل والبنية الاقتصادية.

ومن هنا لا يعود السؤال: هل صمدت حماس التي صمدت بشكل أسطوري؟ بل: هل كانت قدرة غزة على تحمل الرد جزءاً كافياً من حسابات العملية؟

وهنا يحصل معسكر الـ12% في التصويت ضد تنفيذ العملية على أقوى أوراقه، لأنه لم يكن يحذر من خسارة عسكرية، بل من احتمال أن تكون الكلفة الاجتماعية والمادية للحرب أكبر من قدرة المجتمع الذي تُخاض الحرب باسمه على امتصاصها.

الآن نعيد ورقة التصويت إلى الطاولة

الآن نعيد ورقة التصويت إلى الطاولة

ثلاث سنوات تقريباً مرت.

نخرج الورقة القديمة ونبدأ المطابقة:

·       78% نعم

·       12% لا

·       10% تعديل أو تأجيل

-        هل عادت فلسطين إلى مركز العالم؟

الإجابة: نعم، بدرجة كبيرة.

-        هل تعطل مسار التطبيع السعودي–الإسرائيلي الذي كان يتحرك قبل الحرب؟

الإجابة: نعم، وتغيّرت شروطه السياسية المعلنة، لكن من دون أن يعني ذلك أن المسار انتهى نهائياً أو أن الفلسطينيين حصلوا تلقائياً على دولة.

-        هل تحركت الجبهات؟

الإجابة: نعم.

-        هل تحولت إلى حرب موحدة تحمي غزة؟

الإجابة: ليس بالمعنى الذي يجعل النتيجة واحدة بشكل مباشر.

-        هل أصبح الرهائن ورقة تفاوض؟

الإجابة: نعم.

-        هل منع الرهائن الحرب الواسعة؟

الإجابة: لا.

-        هل أدى الانقسام الإسرائيلي إلى شلل إسرائيل في اللحظة الأولى؟

الإجابة: لا؛ بل ولّدت الصدمة تعبئة واسعة للحرب، قبل أن تعود الانقسامات لاحقاً في أشكال جديدة.

-        هل استطاعت غزة تحمل الحرب من دون كلفة مجتمعية استثنائية؟

الإجابة: الشغب الفلسطيني في غزة صمد بشكل أسطوري، لكن الأرقام التي نملكها حتى 2026 تجعل هذا السؤال واحداً من أثقل الأسئلة في التحقيق.

ما هي نتيجة التحقيق في الرهانات وما حصل بعدها؟

ما هي نتيجة التحقيق في الرهانات وما حصل بعدها؟

هنا يمكن صياغة النتيجة المرحلية بدقة:

وقع عدد من الآثار السياسية والإقليمية التي يمكن أن تكون قيادة حماس قد راهنت عليها، لكن ذلك لم يترافق مع قدرة مماثلة على حماية غزة من الكلفة العسكرية والإنسانية للحرب.

وهذه العبارة مهمة لأنها تمنعنا من الوقوع في إجابتين سهلتين:

·       الأولى: 7  أكتوبر حقق أهدافه.

·       الثانية: 7  أكتوبر فشل في كل شيء.

الواقع أكثر تعقيداً. فبعض الرهانات تحقق، وبعضها تحقق جزئياً، وبعض التحذيرات التي بدت في السادس من أكتوبر احتمالات أصبحت لاحقاً وقائع ثقيلة.

فهل كان الـ12% على حق؟

إذا كان المقصود: هل أصابوا في تحديد الأخطار؟ فالكثير من أخطر تحذيراتهم أصبح واقعاً:

-        "إسرائيل" توحدت نسبياً بما يكفي لشن الحرب في مرحلتها الأولى.

-        الجبهات تحركت من دون أن تمنع الدمار الواسع في غزة.

-        الكلفة المجتمعية تجاوزت حدود المواجهة العسكرية إلى تدمير واسع في السكن والصحة والتعليم والاقتصاد.

لكن إذا كان السؤال: هل نعرف الآن أن التصويت بـ«لا» كان سيؤدي إلى نتيجة أفضل للفلسطينيين؟

فهنا يجب أن نتوقف: لا نعرف.

نحن ارتكبنا حتى الآن خطأ منهجياً متعمداً لغايات مهنية استقصائية.

قارنّا العالم الذي وقع فيه 7 أكتوبر بالمخاطر التي توقعناها ليلة السادس، لكننا لم نقارن بعد هذا العالم بالعالم الآخر، "العالم الذي لم تحدث فيه العملية".

وهذا هو الاختبار الوحيد القادر على الاقتراب من السؤال الموجود في عنوان التحقيق:

هل أخطأ السنوار؟

ليس السؤال: هل دفع الفلسطينيون ثمناً هائلاً بعد قراره؟

نعرف أنهم دفعوا.

وليس: هل تحققت بعض أهدافه؟

نعرف أن بعض الرهانات أنتجت آثاراً فعلية.

السؤال الأصعب هو: هل كان المسار الذي كسره أسوأ، على المدى التاريخي، من المسار الذي فتحه؟

وهنا نحتاج إلى تجربة مختلفة تماماً.

سنعود إلى الساعة الأخيرة من السادس من أكتوبر 2023، لكن هذه المرة لن نسمح للسنوار بإعطاء أمر الهجوم.

ستمر الساعة السادسة صباحاً، ثم السابعة، ثم الثامنة...لن تعبر قوات حماس السياج، لن تقع عملية 7 أكتوبر، لن تبدأ الحرب بالطريقة التي عرفناها، وسنترك التاريخ يتحرك وحده: سنة، ثم سنتين، ثم خمساً، ثم سبعاً، حتى نصل إلى عام 2030.

هناك سنجد عالماً غريباً:

قد تكون فيه غزة أقل دماراً؛ حماس أقوى عسكرياً؛ حزب الله يحتفظ بقسم أكبر من قوته؛ وإيران تملك شبكة ردع إقليمية أقل استنزافاً.

لكن قد نجد أيضاً الضفة وقد خسرت مزيداً من الأرض، والتطبيع الإقليمي وقد تقدم، والسلطة الفلسطينية أكثر ضعفاً، والقضية الفلسطينية أقل حضوراً في الحسابات الدولية.

وعندها فقط سنستطيع وضع العالمين أمام بعضهما:

عالم يملك فيه المحور قوة مادية أكبر مع خطر تهميش فلسطين سياسياً، في مقابل: عالم أصبحت فيه فلسطين أكثر مركزية سياسياً، بكلفة مادية وإنسانية هائلة.

وهذا هو الجزء الثالث والأصعب من التحقيق:

ماذا لو لم يحدث 7 أكتوبر؟

الإجابة في الجزء اللاحق.