← العودة إلى التحقيقات
سياسة

ليلة القبض على الإمارات: تداعيات العلاقات الإماراتية ـ الإسرائيلية

ضياء أبو طعام 2026-06-11 497 مشاهدة

يتتبع التحقيق تداعيات اتفاقات أبراهام على الإمارات بعد سنوات من التطبيع مع إسرائيل، من خلال تحليل وثائق ودراسات ومصادر مفتوحة. ويخلص إلى أن المكاسب الاقتصادية جاءت أقل من الوعود، مقابل تنامي الارتباطات الأمنية والسيبرانية الحساسة، وارتفاع الكلفة السياسية والاستراتيجية وانعكاساتها على صورة الإمارات وموقعها الإقليمي.

ليلة القبض على الإمارات: تداعيات العلاقات الإماراتية ـ الإسرائيلية

مساء الخامس عشر من أيلول/سبتمبر 2020، بدا المشهد في البيت الأبيض أقرب إلى احتفال بولادة شرق أوسط جديد.

ابتسامات عريضة، مصافحات أمام الكاميرات، وعبارات تفاؤل تتحدث عن "السلام"، "الازدهار"، و"فتح أبواب المستقبل".

قال الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترامب إن الاتفاق يمثّل "فجراً جديداً للشرق الأوسط"، فيما وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه "سلام مقابل السلام"، بينما تحدث المسؤولون الإماراتيون عن فرص اقتصادية غير مسبوقة، وشراكات تكنولوجية وأمنية ستغيّر وجه المنطقة.

في تلك اللحظة، كانت أبوظبي تُقدَّم باعتبارها الرابح الأكبر: مركزاً مالياً مفتوحاً على الأسواق الإسرائيلية، وشريكاً في تحالف أمني جديد، ونموذجاً لما سُمّي يومها بـ"السلام الاقتصادي".

في تلك الليلة، كانت الكاميرات تلتقط المصافحات… لكن أحداً لم يكن يرى الظلال التي كانت تتشكل خلفها.

بعد سنوات قليلة، بدأت الأسئلة تتسلل من خلف الخطابات الاحتفالية:

هل جنت الإمارات المكاسب الاقتصادية التي وُعدت بها؟

هل فُتحت أبواب الشراكة التكنولوجية المتبادلة فعلاً بين الإمارات العربية وصديقتها "إسرائيل"؟

هل تحولت الإمارات فعلاً إلى قوة أكثر أمناً وانفتاحاً على العالم نتيجة التطبيع؟

هذا التحقيق يحاول تتبع الوجه الآخر للعلاقة الإماراتية ـ الإسرائيلية بعيداً عن البيانات الرسمية، ومن خلال جمع وقراءة وربط وتحليل الوثائق والتقارير والدراسات، تسعى "شبكة أثر" إلى تقييم نتائج "وعود الإزدهار" المرتبطة باتفاقات أبراهام بالنسبة لدولة الإمارات.

الرحلة إلى "لاس فيغاس" العرب

في إحدى ليالي شهر نيسان/أبريل من العام 2013، كنتُ على متن طائرة شركة طيران الشرق الأوسط في الرحلة رقم ME426 من العاصمة بيروت إلى مدينة دبي في الإمارات العربية المتحدة للمشاركة في دورة تدريبية.

الساعة كانت قد تجاوزت الساعة التاسعة مساءً تقريباً حين استقلّيت سيارة الأجرة من أمام مطار دبي الدولي باتجاه الفندق الواقع في "مدينة دبي للإنترنت Internet City"، وهي التسمية المستحدثة لمنطقة الصفوح 2 وسط شارع زايد.

السائق الهندي، شابٌ أنيق المظهر في هندام شركة "تاكسي دبي DTC"، رحّب بي فيما يبدو أنه تقليدٌ يمارسه سائقو سيارات الأجرة التابعة لشركة خاصة: "أهلاً بك في لاس فيغاس العرب". ضحكتُ على التوصيف وسألته مستغرباً عن سبب اختياره هذه التسمية، فأجابني: "هكذا اعتاد زوار دبي الأجانب على تسميتها".

صورة لسيارات تاكسي دبي DTC أمام مطار دبي الدولي المعتمدة في العام 2013


تستغرق الطريق من مطار دبي إلى مدينتها للإنترنت نحو نصف ساعة. فترةٌ كافيةٌ لتصفّح وجه المدينة التي كنتُ أزورها للمرة الأولى. أبنية حديثة غالبيتها على شكل أبراج تنتشر على طول الخط الساحلي المطل على مياه الخليج. شبكة طرق حديثة تتداخل فيها الجسور والخطوط السريعة والمتفرعات المنظّمة يحاذيها على اليسار خط علوي للقطار السريع.

"هذا خط مترو دبي السريع، يمكنك استخدامه داخل المدينة ويصل إلى داخل برج خليفة ودبي مول"، قال السائق الهندي.

كنت أجلس على المقعد الخلفي في سيارة التاكسي من نوع تويوتا كامري، سألته: "كم مضى على وجودك هنا في دبي؟"، أجاب: "أنا أعمل هنا منذ ثلاث سنوات، من المفترض أن ينتهي عقد عملي بعد شهر واحد وسوف أنتقل بعدها إلى قطر".

معلومتان إضافيتان مجانيّتان ما شجّعني على طرح المزيد من الأسئلة بعدما سألته عن إسمه: "لماذا يا راميش تريد ترك لاس فيغاس العرب والذهاب إلى الدوحة؟"، أجابني: "شقيقي وزوجته يعملان هناك في فندق وقد رتّبا لي عمل معهما هناك براتب مثل راتبي هنا تقريباً، لكنّي اشتقتُ إلى العيش ضمن عائلة قبل أن أعود إلى موطني".

يتقاضى "راميش" 4000 درهم (1100 دولار أميركي تقريباً)، ويعمل ما بين 8 إلى 12 ساعة يومياً، بعد أن خضع لفترة تجربة لمدة 6 أشهر. نصف ساعة من تبادل الحديث حول مدينة دبي مع السائق الشاب: مدينة مكتظة بالعمال الآسيويين، يعملون غالبيتهم في مجالات البناء والمقاولات، الخدمات والضيافة والنقل، وبعض الوظائف الإدارية والتقنية. لكنّ عبارات علقت في ذهني أثناء كلام راميش: "هذه مدينة ثرية لكنها بلا روح، هكذا يصفها غالبية الذين أقلّهم من الزوار الذين يأتون إلى هنا غالباً للعمل والسياحة الفاخرة والتسوق. نادراً ما تشاهد شرطة السير هنا في دبي، فالشرطة تعتمد على تقنيات المراقبة عن بُعد واستخدام الكاميرات المنتشرة في جميع شوارع المدينة".

بعد نحو سبع سنوات، وتحديداً في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، نشرت صحيفة "الإمارات اليوم" خبراً عن افتتاح مركز ذكي للتحكم المروري بقيمة 590 مليون درهم (160.6 مليون دولار أميركي).

المركز – بحسب الصحيفة - يعد منصة تكنولوجية متكاملة، يجري فيها توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء وأحدث أنظمة الاتصالات، إضافة إلى العديد من أجهزة الرصد المروري وجمع المعلومات والخدمات الذكية التي تعمل على مراقبة وإدارة شبكة الطرق الحالية والمستقبلية في جميع مناطق دبي، وتتسم الأنظمة التقنية المركزية بربط نظام التحكم المروري مع الأجهزة الميدانية (iTraffic) التي تعمل كمنصة تكنولوجية متكاملة لجمع البيانات الضخمة وتحليلها، والمساعدة على دعم اتخاذ القرارات الآنية لإدارة الحركة المرورية والحوادث والفعاليات الضخمة ورصد كل ما يمكن اعتباره "مخالفات".

الحدث التقني الكبير في العالم العربي جاء استباقاً لبدء فعاليات "إكسبو 2020 دبي". حدثٌ كان يحتوي أيضاً على حدثٍ كبيرٍ وغير مسبوق في العالم العربي: "إسرائيل" تشارك رسمياً وللمرة الأولى في جناح مستقل في حدثٍ دولي ضخم يقام في دولة عربية.

في أيلول/سبتمبر 2020، وقّعت دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل ما عُرف بـ«اتفاقات أبراهام»، وسط حملة دعائية ضخمة قدّمت الاتفاق بوصفه «بوابة ازدهار» اقتصادي وتحالفاً أمنياً جديداً في الشرق الأوسط. يومها، تحدّث المسؤولون عن استثمارات بمليارات الدولارات، وتعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة والأمن السيبراني والسياحة، فيما صُوِّرت الإمارات كأنها ستتحول إلى مركز إقليمي للتكامل الاقتصادي مع إسرائيل.

لكن بعد سنوات من الاتفاق، بدأت تتكشف صورة أكثر تعقيداً. فبالتوازي مع المكاسب التجارية المحدودة نسبياً مقارنة مع حجم التوقعات، ظهرت تحديات أمنية وسياسية واقتصادية وضعت الإمارات في قلب صراعات إقليمية لم تكن طرفاً مباشراً فيها سابقاً. وبات السؤال يُطرح داخل مراكز أبحاث غربية وعربية على حد سواء: هل تحوّل التطبيع إلى مصدر كلفةٍ استراتيجية على الإمارات نفسها؟

المحور الأول: الاقتصاد بين الوعود والواقع

منذ توقيع الاتفاق، جرى الترويج لأرقام ضخمة حول مستقبل العلاقات الاقتصادية، واعتبرت الحكومة الإماراتية أن أكبر نجاح مباشر للاتفاق هو في التجارة.

وزارة الاقتصاد الإماراتية أعلنت عام 2022 أن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مع إسرائيل تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى 10 مليارات دولار سنوياً خلال خمس سنوات، مع توقعات بإضافة نحو 1.9 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإماراتي، وأن هذه الاتفاقية فتحت مزايا جمركية واسعة للشركات، ودخلت حيز التنفيذ في نيسان/أبريل 2023.

كما أعلن وزير التجارة الإماراتي سابقاً أن حجم التجارة بين الإمارات و"إسرائيل" تجاوز 2.5 مليار دولار خلال أقلّ من عامين من الاتفاق.

وتشير تقديرات أحدث إلى أن التجارة الثنائية وصلت إلى نحو 3.2 مليار دولار في 2024، أي بزيادة 11% عن العام السابق رغم حرب غزة.

غير أن قراءة أكثر تفصيلاً لطبيعة هذه العلاقات تكشف أن الجزء الأكبر من المكاسب تركز في قطاعات تخدم بالدرجة الأولى الشركات الإسرائيلية، وخصوصاً التكنولوجيا والأمن السيبراني والأنظمة الرقمية. حتى الدراسات الإسرائيلية نفسها أقرت بأن إسرائيل كانت المستفيد الأكبر اقتصادياً من الاتفاقات.

فريق "شبكة أثر" عثر على  تقرير لمعهد صموئيل نيمان الإسرائيلي حول الأثر الاقتصادي لاتفاقات أبراهام أشار بوضوح إلى أن "إسرائيل تبدو حتى الآن الطرف الذي يجني الحصة الأكبر من الفوائد الاقتصادية على بقية الأطراف التي شاركت فيها".

وربما هذا ما يفسّر الترويج الاسرائيلي لاتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة CEPA مع الإمارات بأنها أول اتفاق تحارة حرّة مع دول عربية، وأن أهدافها تتوزع بين خفض الرسوم الجمركية بين البلدين، وتسهيل الاستثمار وفتح الأسواق، وتشجيع التكنولوجيا والخدمات واللوجستيات. وهذا من وجهة الإماراتيين يعزز موقع الإمارات كمركز تجاري عالمي!

الرواية الرسمية الإماراتية، التي نشرتها السفارة الإماراتية في واشنطن، تقول إن "الإمارات ليست فقط شريكاً لإسرائيل، بل منصّة إقليمية للشركات العالمية، واتفاقات أبراهام ليست سوى جزء من استراتيجية الانفتاح الاقتصادي وتنويع الاقتصاد غير النفطي".

لكن التصريحات لا تتواقف مع الوقائع. الأرقام التي رصدتها أيضاً "شبكة أثر" عن مؤسسة "راند" الأميركية RAND Corporation  بعد عام واحد فقط من بدء سريان الاتفاقات التجارية بين "إسرائيل" ودول التطبيع الأربعة: الإمارات، المغرب، البحرين والسودان، تُظهر تحقيق "إٍسرائيل" فوائد اقتصادية تفوق ضعف الفوائد للدول الأربعة مجتمعة. وبحسب التقديرات، فإن إجمالي النشاط الذي سوف تحصل عليه "إسرائيل" خلال السنوات العشر الأولى من توقيع الاتفاق يبلغ 46 مليار دولار، في حين لن يتجاوز النشاط الاقتصادي للإمارات عتبة 17 ملياراً.

هذا الواقع خلق حالة من الاختلال في طبيعة الشراكة. فالإمارات، التي تمتلك اقتصاداً قائماً على الخدمات

والانفتاح المالي والاستثمارات العابرة للحدود، باتت أكثر انكشافاً أمام المخاطر السياسية المرتبطة بـ"إسرائيل".

ومع اندلاع الحرب على غزة بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعرضت قطاعات اقتصادية إماراتية مرتبطة بالسياحة والاستثمار لضغوط متزايدة بسبب حالة الطوارئ في كيان الإحتلال وتعطّل الاقتصاد نتيجة الحرب، إضافة إلى تأثر السمعة التجارية للإمارات في ظل تنامي حملات المقاطعة والاحتجاجات الشعبية في المنطقة والعالم الإسلامي.

كما أن الرهان على تحويل الإمارات إلى منصة إقليمية للشركات الإسرائيلية، خلَقَ حساسية لدى بعض الأسواق الخليجية والعربية والآسيوية، خصوصاً في ظل تصاعد الغضب الشعبي من السياسات الإسرائيلية في فلسطين. وباتت أبوظبي مطالبة بالموازنة بين مصالحها الاقتصادية الدولية وصورتها السياسية في العالمين العربي والإسلامي، ما انعكس مزيداً من الفارق في المكاسب الاقتصادية بين الإمارات و"إسرائيل" التي في المقابل رفعت من هامش استثماراتها في الإمارات.

المحور الثاني: الأمن السيبراني في قبضة "الشراكة" الإسرائيلية

بتاريخ 6 شباط/فبراير 2026 نشرت صحيفة "إسرائيل هيوم" مقالاً كشفت فيه، نقلاً عن مسؤول أمني اسرائيلي رفيع، أن رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد انفجر غاضباً غداة قصف طائرات سلاح الجو الاسرائيلي مبنى في العاصمة القطرية الدوحة كان قادة حركة حماس قد اجتمعوا فيه يوم 9 أيلول/سبتمبر 2025. وقال المسؤول الاسرائيلي ما حرفيته: "كانت هذه أكبر خدشة تعرّضت لها اتفاقات ابراهام حتى الآن"، في إشارة إلى طرح بن زايد على طاولة اجتماع طارئ للمسؤولين الإماراتيين خيار تجميد الاتفاقات التي أعقبت توقيع "التطبيع مع إسرائيل".

لكن يبدو أن أحداً قد همس في ذلك الاجتماع على مسامع بن زايد: "وهل نستطيع ذلك دون أضرار؟!".

أحد أكثر الملفات حساسية يتعلق بـ"التعاون" الأمني والسيبراني بين أبو ظبي وتل أبيب. فمنذ ما قبل الإعلان الرسمي عن التطبيع، كانت هناك علاقات أمنية بين الجانبين. دراسة صادرة عن معهد الدوحة للدراسات العليا أشارت إلى أن التعاون الإماراتي الإسرائيلي شمل منذ سنوات عقوداً متعلقة بالبنية التحتية الأمنية وأنظمة المراقبة. ومن أبرز الأمثلة عقد بقيمة 816 مليون دولار وقعته أبوظبي عام 2008 مع شركة مرتبطة برجل أعمال إسرائيلي لتطوير أنظمة مراقبة للبنية التحتية الحيوية، بما فيها منشآت النفط والغاز.

ونظراً لخطورة الإحتمال بوجود – ولو بالشبهة – خرقٍ أمني سيبراني في المجالات السيادية والحساسة للإمارات، فقد عكف فريق "أثر" على تتبّع كل التقارير والأخبار والعقود التي أبرمتها أبو ظبي مع مؤسسات اسرائيلية، رسمية أو خاصة، في مجال الأمن المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

وتكشف معظم التقارير – كما سنلاحظ – بأن الإمارات، وإن استفادت فعلاً من الوصول السريع إلى بيئة الابتكار الاسرائيلية، لكنها وضعت أمامها مجموعة تساؤلات حول حجم المكاسب مقارنة بالكلفة السياسية والأمنية.

تعقّب المصادر المفتوحة OSINT كشف أن ما يحصل في الإمارات يحتوي على اشتباهات بالغة الخطورة حول تنامي الاعتماد على شركات إسرائيلية في قطاعات سيبرانية حساسة يقف عليها مصير الإمارات بالكامل.

الإشتباه الأول: سرعة التحالف في أمن السايبر

من أكثر النقاط التي تكررها الجهات المؤيدة لاتفاق التطبيع بين الامارات واسرائيل هي: الوصول إلى التكنولوجيا الاسرائيلية المتقدمة، تطوير شركات الذكاء الاصطناعي، تعزيز الأمن السيبراني في الإمارات، تحديث التكنولوجيا في مجالات الزراعة والطب.

وهكذا، بعد التطبيع، توسعت العلاقات الإماراتية-الاسرائيلية بشكل غير مسبوق في قطاع التكنولوجيا، خصوصاً في قطاع الأمن السيبراني. معهد الشرق الأوسط في واشنطن MEI أكد في دراسة له عام 2025 أن التعاون الاستخباري والسيبراني بين الإمارات وإسرائيل تسارع بصورة كبيرة بعد الاتفاقات.

بين الأعوام 2020 و 2025 تعزز الارتباط الاستخباري والسيبراني بين الإمارات وكيان الاحتلال في 6 محطات بارزة، أفضت إلى ما يشبه الإندماج من طرف واحد، ما زاد من المخاوف المتعلقة بإمكانية نفاذ الشركات الاسرائيلية – وبعضها عسكرية وأمنية – إلى قطاعات رقمية إماراتية حساسة.

لكن هذا الانفتاح حمل معه مخاطر مزدوجة:

  1. تعاظم التهديدات الإلكترونية ضد الإمارات باعتبارها باتت جزءاً من محور أمني متحالف مع إسرائيل. وهذا ما انكشفت تداعياته خلال "حرب رمضان" الأخيرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى.

  2.   تعريض البنية التحتية الإماراتية لاختراقات محتملة نتيجة الاعتماد على شركات وتقنيات مرتبطة بالأمن الإسرائيلي.

في هذا السياق، يرى بعض الخبراء الأمنيين من أن الإمارات أصبحت أكثر حضوراً في حسابات خصوم إسرائيل الإقليميين. حتى أن تقارير إسرائيلية تحدثت عن ازدياد المخاطر المرتبطة بإيران وحركات المقاومة في المنطقة بعد اتفاقات أبراهام.

ويشير خبراء إلى أن استضافة الإمارات لمؤتمرات وشركات إسرائيلية متخصصة بالأمن السيبراني جعل منشآتها الرقمية هدفاً مباشراً لهجمات إلكترونية ذات طابع سياسي أو استخباري. وهذا التطور يُعد تحولاً نوعياً وانحداراً غير مسبوق بالنسبة لدولة بنت صورتها الدولية على الاستقرار والأمان وجذب الاستثمارات.

الإشتباه الثاني: شركة "رافاييل" سيدة القصر

بدأ فريق البحث في "أثر" ببناء خريطة معلومات أولية من المصادر المفتوحة (OSINT) لشركات الأمن السيبراني الاسرائيلية المرتبطة بالإمارات.

هذه المعلومات لن تشكّل بالطبع النتيجة النهائية، لكنها ستفتح ملف تتبع يبدأ منه التحقيق حول نوع "التعاون" وحجم التحكم الإسرائيلي في أمن الشبكات الإماراتية، خصوصاً حين يتبيّن بأن شركة رافائيل للصناعات العسكرية الإسرائيلية هي الشركة الأم في إدارة مجموعة الشركات الإسرائيلية المولجة بالتعاون مع الإمارات ضمن مسار اتفاقات أبراهام.

ما وجدناه كان التالي:

  1. أعلنت شركة رافاييل خلال مشاركتها في فعاليات معرض ومؤتمر أمن المعلومات في الخليج (GISEC) في دبي 2021 عن انطلاق كونسورتيوم إسرائيلي للأمن السيبراني (Rafael Cyber Consortium) وبدء العمل في مسار تعاون مع الإمارات في مجالات الطاقة والنفط والنقل والتصنيع والبنى الوطنية الحساسة وخط المترو والبنى اللوجستية، وأيضاً في مجال القطاع الصحي والمستشفيات والمراكز الطبية، وهي البيانات الأكثر حساسية على صعيد أمن المعلومات لأي بلد. ويضم هذا الكونسورتيوم شركات إسرائيلية مثل Waterfall، TrapX، Radiflow، XMCyber، Carvello، وليس انتهاءً بشركة Cynerio المتخصصة في مجال أمن الأنظمة الطبية والرعاية الصحية.

  2. تتوسط هذا الكونسورتيوم شركة XM Cyber الإسرائيلية والتي أسّسها ويديرها رئيس الموساد السابق "نوعام إيريز"، وخدم لأكثر من 25 عاماً في مجتمع الاستخبارات الإسرائيلية. وقد وردت تقارير علنية بأن هذه الشركة تنافس على توقيع عقود على حماية بنى تحتية معلوماتية في الإمارات والبحرين.

  3.   من خارج الكونسورتيوم، يحضر إسم شركة CyberArk الإسرائيلية التي أطلقت منصة Identity Security مستضافة في الإمارات، وقد صرّحت بأنها تخدم بيانات العاملين والزبائن في مؤسسات تعمل في قطاعات المال والاتصالات والطاقة.

  4. يتردد في دبي كثيراً إسم شركة Check Point، وهي شركة إسرائيلية كبرى في الأمن السيبراني. فبحسب قواعد بيانات ومصادر تقنية، تحظى الشركة بتمثيل في الإمارات – دبي تحديداً – وتتابع بشكل رئيسي تهديدات سيبرانية (وتحديداً إيرانية) تستهدف الإمارات و"إسرائيل"، وبذلك تُعتبر الشركة نقطة حماية سيبرانية متقدمة في منطقة الخليج خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة.

  5.   بتاريخ 29 حزيران/يونيو 2023، تم توقيع مذكرة تفاهم بين الشركة الاسرائيلية Cyber Together وشركة EliteCISOs الإماراتية برعاية رسمية حكومية للتعاون في التدريب وورش العمل ومجتمع خبراء الأمن السيبراني.

  6.   في تشرين الأول 2021، نشر الموقع الإسرائيلي The Times of Israel معلومات حول تعزيز حضور المدراء التنفيذيين الاسرائيليين في مؤتمرات يتم عقدها في الإمارات، حيث تحولت هذه المؤتمرات إلى منصّات علنية للتواصل السيبراني الإماراتي الإسرائيلي، خصوصاً بعد اتفاقات ابراهام. أحد هذه المؤتمرات كان مؤتمر Cybertech NYC الذي أسسته جهات رسمية اسرائيلية، وتم عقده في الإمارات بمشاركة رؤساء سابقين في الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ورؤساء أمن إماراتيين.

  7.   عام 2023، تم الإعلان رسمياً عن توسيع مسار اتفاقات ابراهام ليشمل تعاوناً سيبرانياً بين إسرائيل ودول التطبيع العربية الأربعة على رأسهم الإمارات. لكن وبتتبع البيانات، يتضح أن مصطلح "تعاون" في هذا المجال يعني أن الشركات الاسرائيلية، سواء عبر كونسورتيوم شركة رافاييل العسكرية أو غيرها، تحظى من جانب واحد بامتياز تمثيلها وحضورها في دول التطبيع وليس العكس. إذ يقتصر "التعاون" الإماراتي على شراء أسهم في شركات السايبر الإسرائيلية، وغالباً عبر طرف ثالث.

إذاً، يمكن بوضوح الإستنتاج بأن الفرضية التي وضعناها في المرحلة الأولى من التحقيق في نقطة ازدياد الاعتماد على شركات اسرائيلية في قطاع الأمن السيبراني الإماراتي، بدأت تحصل على سندٍ قوي.

إن هذا المسار يجمع بين الطابع العسكري/الأمني للشركاء، ومدينة دبي كعقدة ربط، وشركات اسرائيلية متعددة يغلب عليها الارتباط الاستخباراتي، ليصب كل ذلك في التحكم بقطاع حساس، هو الحماية السيبرانية للبنى التحتية الإماراتية.

وهنا ينتقل التحقيق إلى نقطة متقدمة تحتاج إلى إثبات: من الذي يحمي البنى التحتية في الإمارات؟

الاشتباه الثالث: كونسورتيوم شركة رافائيل في دبي

يُقال إن من يمتلك صناعة السم يمتلك صناعة الترياق، وفي علم الأمن يقال: إن من يمتلك القدرة على الحماية يمتلك نفسه القدرة على التدمير.

طرف الخيط المركزي في هذه الحلقة من الإستقصاء يقع في معرض GISEC Global 2021 في دبي.

هناك، أعلنت شركة رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة الاسرائيلية – كما أشير سابقاً – عن إنشاء كونسورتيوم سيبراني إسرائيلي لحلول العمليات التكنولوجية (OT)، أي حماية البنى التشغيلية الحساسة مثل الطاقة، المياه، النفط والغاز، النقل، والتصنيع.

الإعلان نفسه ينسجم مع الفرضية الأصلية في هذا التحقيق: التطبيع لم يكن اقتصادياً فقط، بل فتح مساراً أمنياً وسيبرانياً حساساً مع جهة، من المفترض أنها كانت حتى الأمس القريب، في حالة عداء.

تكمن خطورة هذا الخيط في أن رافائيل ليست شركة تقنية عادية، بل هي شركة عسكرية اسرائيلية. ودخولها عبر بوابة "الأمن السيبراني للبنى التحتية" يعني أن العلاقة تنتقل من مستوى التجارة إلى مستوى أكثر حساسية: التحكم بالمنشآت الحيوية الإماراتية تحت عنوان "الحماية".

وبحسب إعلان موقع XM Cyber عن الكونسورتيوم، تضم الشبكة أسماء شركات غالبيتها يعمل في مجال تقديم الخدمات الرقمية ذات الطابع الإستخباري في "إسرائيل".

في الرسم التالي تفصيل لأسماء هذه الشركات ونوع الحلول المقدمة للإمارات والقطاعات المستهدفة، وأهمية ذكر ذلك في خدمة هذا التحقيق:

يوضح الجدول المستند إلى بيانات المصادر المفتوحة رفع مستوى الشبهات الأمنية – وليس التجارية -  في طبيعة التعاون بين الإمارات وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تحت مسمى "تحالف الشركات المشاركة في حماية البنى التحتية الحساسة للإمارات".

في الخانة السادسة من الجدول يكمن الخيط الأكثر حساسية: عقدة XM Cyber، وهي عضو ضمن "التحالف" ذكرت تقارير إسرائيلية أنها شركة، شارك في تأسيسها رئيس الموساد السابق "تامير باردو"، ستنافس على حماية بنى تحتية في الإمارات والبحرين ضمن كونسورتيوم تقوده رافائيل.

مسارٌ من الصعب تقديم مبررات تدفع الفرضية بأن التطبيع يتجاوز الحدود الإقتصادية والتجارية، إلى مسارات أمنية، اقلّ ما يمكن قوله إنها قد تفتح المجال لوصول أوسع إلى معلومات تتعلق بالبنى التحتية الحساسة للإمارات من قبل "الشركات" الإسرائيلية، التي وجدت بعد التطبيع سوقاً مفتوحاً لها إلى الخليج من بوابة دبي.

 بحسب الجدول، والذي يستند إلى وثائق نُشرت حول كونسورتيوم رافائيل، فإن القطاعات التي تستهدفها برامج عمل هذه الشركات، ومنها XM Cyber، هي الأكثر حساسية على مستوى الأمن القومي السيبراني للإمارات، بل ويمتد إلى دول الخليج، حتى تلك التي لم تنضم إلى اتفاقات أبراهام، نتيجة تداخل بعض بياناتها الحيوية مع قواعد بيانات الإمارات. هذه القطاعات هي:

  • النفط والغاز

  • الطاقة

  • شبكات تحلية المياه

  • شبكات الصرف الصحي

  • النقل على اختلافه (شبكات المرور، شركات تاكسي، مترو، رحلات جوية، سفن)

  • التصنيع على اختلافه

  • البنى الوطنية الحساسة (الشرطة، البنوك، القطاع الصحي)

الدليل الفرعي هذا ضمن التحقيق يمكن تلخيصه بالتالي: تكشف المصادر المفتوحة أن دبي شكّلت منصة علنية لإطلاق كونسورتيوم سيبراني بقيادة شركة عسكرية إسرائيلية، عنوانه حماية البنى التحتية الحيوية في الإمارات، ويمكن أن تطال تداعياته دول الخليج المرتبطة تجارياً وأمنياً بقواعد بيانات إماراتية.

 

لكن التحقيق ما يزال بحاجة إلى تتبع العقود والشركاء المحليين في الإمارات لتحديد مدى النفوذ الذي تحظى به الشركات الإسرائيلية في للقطاعات الإماراتية الحساسة.

ما سيتم كشفه في التالي سيكون الخيط الأخطر.

الاشتباه الرابع: بين G42 الإماراتية و Rafael الإسرائيلية "شراكة مباشرة"

في رحلة بحث OSINT دقيقة، حصلت تقاطعات عند إسم G42. هي شركة إماراتية، ومقرّها أبو ظبي، أعلنت عن مشروع مشترك (Joint Venture) مع شركة رافائيل الاسرائيلية لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة (Big Data) تحت إسم ينبغي حفظه جيداً: "بريسايت (Presight.AI)، وذلك بعد اتفاقات أبراهام مباشرة.

تحدثت صحيفة "جوريزالم بوست" في تقرير لها عن أن المشروع المشترك تم توقيعه بحضور: مسوؤلين إماراتيين، السفير الإماراتي في "إسرائيل"، مدراء رفيعين من G42 وشركة رافائيل، وأن الهدف من المشروع "تأسيس مركز أبحاث وتطوير داخل فلسطين المحتلة لتطوير حلول ذكاء اصطناعي وتحليل البيانات الضخمة".

كان واضحاً من بيانات تقرير الصحيفة أن هذه الشراكة ليست مجرّد "علاقة أعمال"، بل بنية تعاون مؤسسي طويل المدى.

نتيجة التعمّق في OSINT، إتضّح أن مشروع Presight.AI لم يُقدَّم فقط كمنصة تقنية عامة، بل كحلول رقمية في الإمارات تشمل:

  • الأمن العام

  • البنوك

  • الصحة

  • المدن الذكية

  • البيانات الضخمة

  • البنى الرقمية

ودخلت Presight رسمياً إلى شركة AIQ (شركة إماراتية متخصصة في الذكاء الإصطناعي لقطاع الطاقة والنفط والغاز) المرتبطة بـ:

  • حقول ADNOC

  • منصات النفط

  • البنية الطاقوية

  • الصيانة التنبؤية

  • الأنظمة التشغيلية

إن هذا الدخول يعطي Presight نفوذاً في مشاركة AIQ في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تُستخدم في:

  • تشغيل حقول النفط

  • تحليل البيانات الجيولوجية

  • الصيانة التنبؤية

  • مراقبة الأنابيب والمنشآت

  • تحسين الإنتاج

  • إدارة الطاقة

  • الأتمتة الصناعية

  • تقليل الأعطال

  •   تحليل البيانات التشغيلية الضخمة

أي أنها باختصار تعمل داخل البنية التشغيلية الحساسة لقطاع النفط والطاقة الإماراتي. وهكذا صارت AIQ أيضاً عقدة تربط بين بين الطاقة السيادية الإماراتية، وشبكات الذكاء الاصطناعي، والشركات المرتبطة بمسار التطبيع التقني الإماراتي الاسرائيلي، كل ذلك ضمن مشروع Presight.

Presight.AI بوابة الشراكة الإماراتية-الإسرائيلية في الأمن الرقمي

في نيسان/أبريل 2021، أعلنت وكالة رويترز أن شركة G42 الإماراتية دخلت في مشروع مشترك مع شركة رافائيل العسكرية الإسرائيلية تحت إسم: Presight.AI.

أعتبرت رويترز أن المشروع يفوق كونه مبادرة تجارية عادية. برغم ذلك، لم تعطِ المؤسسات الإعلامية في العالم العربي الاهتمام اللازم لهذا الملف بالغ الحساسية في ملفات نشرات الأخبار واستديوهات النقاش السياسي.

لماذا هذا الملف بالغ الحساسية؟

لأن الطرف الاسرائيلي ليس شركة تقنية مدنية عادية.

رافائيل (Rafael) هي شركة عسكرية اسرائيلية مملوكة لـ"الدولة". تُعدّ من أكبر شركات الصناعات العسكرية في "إسرائيل"، تعمل في مجالات:

  • أنظمة الصواريخ

  • الدفاع الجوي

  • الحرب الإلكترونية

  • الأمن السيبراني

  • أنظمة القيادة والسيطرة

من هو الطرف الإماراتي؟

G42.AI هي شركة إماراتية ضخمة مقرّها أبو ظبي تعمل في:

  • الذكاء الاصطناعي

  • الحوسبة السحابية

  • البيانات الضخمة

  • الأمن الرقمي

  • الأنظمة الحكومية

يترأسها الشيخ طحنون بن زايد، مستشار الأمن الوطني الإماراتي، يصفه موقع "وايرد (WIRED)" الأميركي المتخصص في مجال التكنولوجيا والأمن السيبراني بأنه " شيخٌ ثريٌّ يُسيطر على ثروةٍ تُقدَّر بـ 1.5 تريليون دولار. يُريد استخدامها للسيطرة على الذكاء الاصطناعي".

الموقع نفسه يشير في تقرير خاص إلى تقاطعات بين شركة G42 وبيئة الأمن السيبراني الإماراتية، خصوصاً مع أسماء مرتبطة سابقاً بشركة DarkMatter الإماراتية المثيرة للجدل، والتي تعرضت للتدقيق في الولايات المتحدة الأميركية بسبب توظيفها لضباط سابقين في وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي للتجسس على الأمريكيين والمعارضين والمنافسين السياسيين.

وعليه، تُثبت هذه المعطيات أن مشروع Presight.AI يقع داخل بيئة أمنية رقمية سيادية شديدة الحساسية، ومجدداً، ليس مجرّد مبادرة تجارية عادية مشتركة. وهذا هو المسار الأول في كشف وجه المشروع.

القصة لم تنته هنا.

Presight لم تبقَ مجرد شركة تقديم خدمات في مجال تحليل بيانات عامة.

في 2024، وفي تقرير آخر لوكالة رويترز، استحوذت على 51% من AIQ، وهي شركة كانت مملوكة سابقًا لـ ADNOC وG42، وتعمل – كما تم ذكره - على الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة لتحسين عمليات قطاع النفط والغاز. احتفظت ADNOC بـ49%.

هذا يعني أن شركة رافاييل – الشريك في Presight – صارت، بطريقة أو بأخرى، حاضرة في أحد أهم شركات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني المتحكم بتقنيات إدارة وتشغيل النفط والغاز في الإمارات.

مجدداً، قصوراً أو تقصيراً، لم تعر وسائل الإعلام في العالم العربي هذا الخبر بالغ الحساسية أي اهتمام.

شيئاً فشيئاً، أصبحت Presight تقدم نفسها اليوم كشركة تخدم ملفات "السيادة الرقمية"، و"الأمن العام"، و"إدارة الأزمات"، و"كفاءة الطاقة" في الإمارات. كما تقول إن حلولها في الأمن العام تخدم الجهات المسؤولة عن حماية المجتمعات عبر التحليل الفوري والذكاء الاصطناعي ودعم اتخاذ القرار الأمني للبلاد.

هكذا، تتكوّن في هذا الجزء من التحقيق زاوية قوية جداً: شركة وُلدت من شراكة إماراتية ـ إسرائيلية مع  Rafael، ثم أصبحت لاحقًا لاعبًا في قطاعات سيادية إماراتية مثل الطاقة، الأمن العام، المدن الذكية، والبيانات الحكومية. لينتهي هذا المسار إلى التالي: تطبيع العلاقات – دخول شركة G24 – تكوين شراكة مع شركة دفاع إسرائيلية - حضور متحكم داخل قطاعات سيادية إماراتية حساسة. وهذا هو المسار الثاني في كشف وجه مشروع Presight.

هذا ليس كل شيء.

تكشف شبكة الأشخاص والكيانات المرتبطة بمشروع Presight مساراً ثالثاً لا يقل حساسية/خطورة عمّا سبق.

G42  ليست شركة تقنية عادية في السياق الإماراتي؛ هي شركة أبوظبي للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، وأعلنت رسمياً فتح مكتب في إسرائيل ليكون بوابة للشركات الإسرائيلية نحو الإمارات والشرق الأوسط.

في حدث توقيع مشروع  Presight.AI، ذُكر حضور السفير الإماراتي في "إسرائيل"، وقيادات  G42، وقيادات Rafael، ورئيس  G42 Israel، ورئيس  Presight.AI، ما يجعل الحدث – كما أشرنا - تعاوناً مؤسسياً معلناً لا مجرد تفاهم تجاري عابراً، بل كما تقول الشركة على موقعها الالكتروني: "الشراكة التي تدعم كيفية إعادة تشكيل الإمارات وإسرائيل للمنطقة".

هذا المسار الثالث يعزز البعد السياسي والأمني لدور Presight، ليس في الإمارات فقط، بل في المنطقة باستخدام الأنظمة السيبرانية.

من الإشتباه إلى الإستنطاق: من "مؤشرات قوية" إلى "أدلة حاسمة"

ستة أسئلة مفصلية عمل فريق "أثر" على محاولة الإجابة عنها عبر تتبع بيانات OSINT:

هل بقيت رفائيل مساهمة أو شريكة تقنياً بعد إطلاق  Presight؟

الإجابة: لا يوجد دليل علني على بقاء رافائيل كمساهم. نشرة Presight قبل الطرح تظهر أن Group42 كان يملك 99%، وبعد الطرح 75%، دون أن يظهر اسم رافاييل ضمن المساهمين الرئيسيين. ولكن، حتى وإن اختفت رافائيل من هيكل الملكية، لكن أثرها بقي، وهذا ما سيتم إثباته في الإجابات التالية.

هل انتقلت أي ملكية فكرية أو تقنيات من Rafael إلى  Presight؟

تم العثور على مؤشر قوي للإجابة بنعم.

فقد ذكرت وكالة رويترز أن المشروع المشترك بين G42 و رفائيل هدفه تطوير وتسويق تقنيات الذكاء الإصطناعي AI وتحليل البيانات الضخمة Big Data. وبرغم أنه لا توجد وثيقة عامة تحدد الملكية الفكرية أو التقنيات المنقولة، إلا أن مواقع إلكترونية متخصصة في مجال الدفاع والأمن السيبراني ذكرت حجم التقديمات التي سوف تمنحها رافائيل للمشروع، وأنها بموجب الشراكة التأسيسية للمشروع ضمنت نقل تقنيات وتطويراً مشتركاً داخل "إسرائيل"، وأيضاً نقل خبراتها في:

  • الذكاء الاصطناعي

  • الأمن السيبراني

  • الاستخبارات

  • معالجة الصور

  • البيانات الضخمة

هل مركز البحث والتطوير في "إسرائيل" ما زال نشطًا؟

أيضاً، تم العثور على مؤشر قوي للإجابة بنعم.

فتأسيس المركز معلن، كما أن وكالة رويترز قالت إن Presight AI سيكون لها موقع ضمن ما يسمى "مراكز أبحاث R&D" داخل "إٍسرائيل"، ولكن لا يوجد لغاية الآن دليلاً حديثاً يؤكد في أي موقع من المواقع الخمسة المحتملة التي تنتشر فيها مراكز الأبحاث والتطوير في فلسطين المحتلة: تل أبيب - هرتزيليا – حيفا – الناصرة – صحراء النقب.

هل لدى Presight عقود مع جهات أمنية أو شرطية داخل الإمارات؟

الإجابة نعم وهي مثبتة.

Presight أعلنت في تموز/يونيو 2025 اتفاق تعاون استراتيجي مع شرطة أبو ظبي لتطوير تقنيات ذكاء اصطناعي لإنفاذ القانون والمجن الذكية، تشمل التحقيق الرقمي، كشف التهديدات لحظياً، والتحليل التنبؤي.

هل دخلت Presight في قطاعات سيادية حساسة؟

الإجابة نعم وهي مثبتة بقوة.

وثائق Presight لعام 2025 تذكر عقوداً أو مشاريع مع:

  • شرطة أبو ظبي

  • مصرف الإمارات المركزي

  • شركة الإمارات للطاقة النووية

  • دائرة الطاقة في أبو ظبي

  • مكتب الإعلام الوطني

  • المجلس الإعلامي الإماراتي

  • النيابة العامة

  • البنية المالية الوطنية

  • مراكز بيانات وطنية

هل لدى Presight دور في البنية المالية السيادية؟

الإجابة نعم وهي مثبتة.

أعلنت G42/Presight عن مشروع مشترك مع مصرف الإمارات المركزي لتطوير منصّات AI سيادية للبنية المالية، تشمل:

  • الدرهم الرقمي

  • منصة Jaywan

  • Aani

  • نظام RTGS

  • Open Finance

 أي: البنية المالية الوطنية، أنظمة الدفع، البنية المصرفية الفورية، العملة الرقمية.

بعد تحليل الإجابات المبنية على بيانات OSINT المثبتة، السؤال لم يعد: هل هناك تعاون تقني؟ بل: كيف انتقلت شركة وُلدت من شراكة مع شركة دفاع اسرائيلية إلى قلب البنية المالية السيادية الإماراتية؟

 

يمكن بثقة الإستنتاج: إن Presight  بدأت كمشروع مشترك بين G42 الإماراتية و Rafael الإسرائيلية الدفاعية، ثم تحولت لاحقاً إلى شركة إماراتية مدرجة تملك حضوراً مثبتاً داخل قطاعات سيادية حساسة: الشرطة، البنية المالية، الطاقة، الإعلام، البيانات الحكومية، وحتى الطاقة النووية، وهذا من أكثر المسارات حساسية التي كشفها هذا المحور من التحقيق.

المحور الثالث: التطبيع كعامل استقطاب أمني

في الثاني من كانون الأول/ديسمبر 1971 نالت الإمارات العربية المتحدة استقلالها عن الحماية البريطانية. إعتمد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان سياسة داخلية أمنية اعتمدت على تعزيز التنمية الاقتصادية وبناء نظام اجتماعي متوازن بين المواطنين والمقيمين.

قدّمت الإمارات نفسها على مدى أكثر من أربعين عاماً من عهد الشيخ زايد كبلد احتضان للقضايا العربية، وميدان انفتاح ايجابي مع دول الجوار في الخليج وغرب آسيا.

عام 2004، توفي الشيخ زايد، وانقلب المشهد رأساً على عقب. اللبناني حسان عليان، المقيم في الإمارات لنحو ثلاثة عقود، شاهدٌ على تبدّل الإمارات، التي انتقلت من كونها البلد الأحب إليه إلى البلد الذي أبعده عنها.

قبل التطبيع، كانت الإمارات تحاول تقديم نفسها كدولة توازنات وعلاقات اقتصادية مفتوحة مع مختلف الأطراف، مع مؤشرات تقارب مع الاسرائيليين. إلا أن التحالف العلني مع إسرائيل غيّر جزئياً هذا التموضع.

من وجهة نظر المؤيدين لاتفاق التطبيع، خصوصاً الباحثين في بعض مراكز الدراسات الأميركية، فإن الإمارات استفادت أمنياً من اتفاقات أبراهام في مجالات:

  • تبادل الخبرات مع الاسرائيليين

  • الحصول على التكنولوجيا العسكرية

  • تطوير منظومات الدفاع الجوي

  • تعزيز القدرات في مواجهة التهديدات الإقليمية

فمع كل تصعيد إسرائيلي في غزة أو الضفة الغربية أو القدس، تجد الإمارات نفسها أمام ضغوط سياسية وإعلامية متزايدة. وقد انعكس ذلك حتى على العلاقات الإماراتية الإسرائيلية نفسها. ففي عام 2025 نقلت وكالة Reuters أن أبوظبي لوّحت بخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل إذا مضت حكومة بنيامين نتنياهو في ضم أجزاء من الضفة الغربية.

كما كشفت تقارير أميركية، وتحديداً في موقع أكسيوس، أن الإمارات أبلغت واشنطن بأن سياسات إسرائيل التوسعية تهدد اتفاقات أبراهام نفسها.

هذا يعني أن الإمارات لم تحصل على "استقرار استراتيجي" كما رُوّج، بل دخلت في معادلة تجعلها مرتبطة مباشرة بالأزمات الإسرائيلية الداخلية والخارجية. وكلما تصاعد التوتر الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ارتفعت الكلفة السياسية والأمنية على أبوظبي.

الجريمة المنظمة الإسرائيلية تزيد حضورها في الإمارات

ينقل موقع أكسيوس الأميركي أنه من أوضح "المكاسب" التي تذكرها الحكومتان الإماراتية والاسرائيلية بشأن اتفاقات أبراهام تتمثل في تنظيم رحلات جوية مباشرة بين الإمارات و"إسرائيل"، إلغاء التأشيرات وتسهيلات سفر غير مسبوقة بين الطرفين.

وبرغم أن تقديرات بحثية أميركية أشارت إلى أن أكثر من مليوني اسرائيلي زاروا الإمارات خلال السنوات الخمس الأولى من التطبيع، إلا أن تقارير متتالية أماطت اللثام عن تداعيات خطرة لهذه "التسهيلات".

 فقد شهدت دبي خلال السنوات الأخيرة عدة حوادث جنائية مرتبطة بعناصر من عصابات الجريمة المنظمة الإسرائيلية، حيث تحولت المدينة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين بعض تلك المجموعات.

وتشمل أبرز الأنشطة والقضايا المرتبطة بالمافيا الإسرائيلية في دبي ما يلي:

  • عمليات تصفية حسابات: في مايو 2023، أعلنت شرطة دبي عن إلقاء القبض على عدد من الإسرائيليين المتورطين في جريمة قتل مواطن إسرائيلي يدعى "غسان شمسية" (عضو في إحدى المنظمات الإجرامية)، وذلك على خلفية صراعات عائلية وانتقامية سابقة في "إسرائيل".

  • تجارة المخدرات: تم تسجيل حالات اعتقال لعناصر عملوا كحلقات وصل بين المافيا الإسرائيلية وتجار محليين؛ ففي عام 2022، وُجهت اتهامات للإسرائيلي "خليل دسوقي" بالشراكة في صفقات ضخمة لتجارة المخدرات في الخليج.

  • غسيل الأموال: تشير تقارير إخبارية إلى أن زعماء بعض العصابات الإسرائيلية بدأوا في نقل جزء من أنشطتهم المالية وتجارة المخدرات وتبييض الأموال إلى دبي، مستغلين الانفتاح الاقتصادي الجديد.

صورة الإمارات في العالم العربي والإسلامي

من التداعيات غير المباشرة أيضاً تراجع صورة الإمارات لدى شرائح واسعة من الرأي العام العربي والإسلامي. فالتطبيع مع إسرائيل لم يعد يُنظر إليه فقط كقرار سياسي، بل باعتباره تموضعاً ضمن محور إقليمي في لحظة تشهد فيها القضية الفلسطينية مستويات غير مسبوقة من التوتر والدمار.

وقد انعكس ذلك في حملات إلكترونية ومقاطعات شعبية ومواقف منظمات مدنية رافضة للتطبيع. كما أظهرت تقارير صادرة عن جهات مناهضة للتطبيع أن العلاقات الإماراتية الإسرائيلية باتت تُستخدم كأداة تعبئة سياسية وإعلامية ضد أبوظبي في عدد من الساحات العربية.

هذا التراجع في الصورة المعنوية قد لا يظهر فوراً في المؤشرات الاقتصادية، لكنه يحمل أثراً طويل الأمد على القوة الناعمة الإماراتية، خصوصاً أن الدولة استثمرت لعقود في بناء نموذج قائم على الانفتاح والتسامح والدور الوسيط.

الباحث السياسي اللبناني علي مراد تعمّق في دراسة الحالة الإماراتية وخلفيات تحولات دبلوماسيتها. في شهادته لشبكة "أثر" أماط مراد اللثام عن الكثير من التفاصيل.

هل أصبحت الإمارات رهينة للتقلبات الإسرائيلية؟

تكشف التجربة منذ 2020 أن التطبيع لم يعد مجرد علاقة ثنائية اقتصادية، بل تحوّل إلى ارتباط سياسي وأمني شديد الحساسية. فكل تغيير داخل إسرائيل ـ سواء صعود اليمين المتطرف أو التوسع الاستيطاني أو الحروب الإقليمية ـ ينعكس مباشرة على الإمارات.

وتشير دراسات غربية إلى أن العلاقة بين الطرفين باتت محكومة باعتبارات أمنية واستراتيجية أكثر من كونها شراكة اقتصادية متوازنة.

دراسة مركز تشاثام هاوس في العام 2023 حذّرت من مسارات متقبلية قاتمة لاتفاقات الطبيع بين "إسرائيل" والإمارات بحال لم تتم مراعاة معايير التوازن في العلاقة والأخذ بعين الاعتبار التحديات التي تقف في وجه التطبيع في منطقة ملتهبة سياسياً وأمنياً.

وبينما كانت أبوظبي تأمل في الاستفادة من التكنولوجيا الإسرائيلية والانفتاح على الأسواق الغربية عبر هذا التحالف، وجدت نفسها أيضاً أمام تحديات جديدة:

  • ارتفاع المخاطر الأمنية والسيبرانية.

  • تراجع القدرة على التموضع كوسيط محايد.

  • ازدياد الضغوط الشعبية والإعلامية.

  • ربط الاستقرار الاقتصادي المحلي بالتقلبات السياسية الإسرائيلية.

 

محاولة الحصول على الرد أو النقض

لأكثر من أسبوع حاول فريق شبكة "أثر" التواصل مع سفارة دولة الإمارات في بيروت عبر البريد الإلكتروني للحصول على إجابات عن الأسئلة الرئيسية حول هذا التحقيق من قبل من تراه السفارة مناسباً، سواء من فريق السفارة أو مصدر رسمي في الإمارات، لكن أي استجابة من قبل السفارة لم تحصل.

أيضاً، فإن عدم التجاوب كان مصير التواصل مع مسؤولي مراكز دراسات في لبنان ومسؤولين سياسيين لبنانيين معروفين بتبنيهم لاتجاهات دولة الإمارات، طلب منهم فريق شبكة "أثر" برسائل صوتية عبر تطبيق واتساب المشاركة في التحقيق من خلال مقابلات بودكاست.

نتيجة التحقيق

بعد كل ما تقدّم:

  • كشفت المعطيات أن "إسرائيل"، بواسطة اتفاقية أبراهام، حققت مكاسب اقتصادية أكبر من الإمارات بأضعاف، ودون مراعاة لمعايير الشراكة.

  • وسّعت الشركات الإسرائيلية حضورها في قطاع الأمن السيبراني الإماراتي وفي البنى التحتية السيادية للدولة.

  • ربطت "إسرائيل" قرار الإمارات الإقليمي بسلوكها، بل ووضعت سمعتها على المحك أمام شعوب المنطقة والعالم، بعدما كانت الإمارات دولة الانفتاح التجاري والتواصل الإيجابي مع دول الجوار.

وهكذا، بعد سنوات على توقيع اتفاقات أبراهام، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من الرواية الرسمية التي رافقت الإعلان عنها. فالإمارات حققت بالفعل بعض المكاسب التجارية والتكنولوجية، لكنها دفعت في المقابل أثماناً سياسية وأمنية متزايدة.

لقد نقل التطبيع الإمارات من موقع "الدولة الاقتصادية المحايدة نسبياً" إلى موقع الشريك المباشر في منظومة إقليمية شديدة التوتر. ومع استمرار الحروب والأزمات في المنطقة، تتزايد الأسئلة حول ما إذا كانت الكلفة الاستراتيجية لهذا الخيار ستتجاوز في النهاية المكاسب الاقتصادية المعلنة.

وفي منطقة تتحرك فيها السياسة بسرعة الصواريخ، قد لا يكون الرهان على "السلام الاقتصادي" كافياً لحماية الاستقرار، خصوصاً حين يصبح الاقتصاد نفسه مرتبطاً بصراعات مفتوحة لا تبدو قريبة من النهاية.

الخاتمة

بالعودة إلى العام 2013، أنهيتُ الدورة التدريبية في مدينة دبي الإعلامية، تخللها زيارات ترفيهية إلى عدد من معالم دبي السياحية: خور دبي، برج خليفة، دبي مول. القاسم المشترك بينها جميعاً هو العدد الكبير للسيّاح من مختلف دول العالم. أدركتُ خلال أسبوع صحّة تسمية دبي بـ"لاس فيغاس العرب" وبندرة التكلم بالعربية في مدينة عربيةٍ شهيرة نتيجة العمالة الأجنبية الكبيرة في دبي.

في طريق عودتي إلى بيروت عبر مطار دبي، استوقفني تدقيق موظف إدارة الجوازات بجواز سفري والتأشيرات المذكورة فيه. قلّبه صفحة صفحة ودقق في تاريخ دخولي وخروجي من وإلى كل دولة، "أراك مسافراً في وقتٍ سابق إلى إيران" علّق مستفسراً حين وقع نظره على تأشيرة دخول إلى الجمهورية الاسلامية الايرانية. أجبته: "صحيح، وأيضاً إلى عديد من دول العالم، فأنا صحفي"، لم يكترث وسألني: "ماذا ذهبت تفعل في إيران؟"، قلتُ: "بهدف تغطية الانتخابات الرئاسية هناك، هل هناك ثمة مشكلة؟"، أيضاً لم يجب.

وقف من مكانه حاملاً جواز سفري، ودخل إلى غرفة جانبية قريبة من مكان جلوسه، وبعد دقائق عاد ليختم لي جواز السفر ويتمنى لي رحلة سعيدة.

تجاوزتُ الأمر برغم استغرابي بأن هكذا إجراء لدى إدارة الجوازات كان من المفترض أن يتم عند دخولي إلى الإمارات وليس عند مغادرتي.

لكنّي في تلك اللحظة، لم أستطع تجاوز عبارة السائق الهندي راميش: "هذه مدينة ثرية لكنها من دون روح".

ربما لا يعلم راميش، أو ربما يعلم، بأنه بعد سبع سنوات من لقائي به في رحلتي تلك، دخلت الإمارات في تطورات أثارت تساؤلات وشكوكاً حول حدود الاستقلالية التقنية والسيبرانية التي تطال أصغر تفاصيل بحجم رحلةٍ بسيارة التاكسي من المطار إلى مدينة دبي للإنترنت، وربما تطال حتى حديثه مع الزبائن عن "لاس فيغاس العرب" عبر تقنيات تسجيل الأصوات في سيارات شركة تاكسي دبي.

كان يمكن لدبي، من دون اتفاقية التطبيع أن تتفوق – إذا كانت ترغب طبعاً – على مدينة ماكاو الصينية، المنافس الآسيوي لمدينة لاس فيغاس الأميركية في كونها مدينة الكازينوهات والمنتجعات والعروض الترفيهية الحيّة.

ولكن، هل كانت الإمارات ترغب فعلاً في أن تضع نفسها بين ليلةٍ وضحاها على سكّة مصير مع الإسرائيليين شبيه بما حصل لدولة جزر مارشال في المحيط الهادئ، الخاضعة كليّاً للإدارة الأميركية في قرارها وسيادتها وأمنها بموجب اتفاقية سُميّت زوراً "اتفاقية الارتباط الحر"؟

قد يقول قائل "إن هذا استنتاج قاسٍ ومبالغ فيه"، لكنك حين تبرم اتفاقاً للتطبيع أو "السلام" مع "إسرائيل"، فهذا – ليس كما تظن – سلاماً مقابل السلام لتحقيق انفتاح اقتصادي وأمنٍ سيبراني. فالطرف الثاني، على الأقل، لا يعتبره كذلك...وبكل وضوح.

للراغبين في الحصول على نسخة فيديو تلفزيونية من هذا التحقيق، يمكنكم مراسلتنا عبر خدمة تواصل معنا في أسفل الصفحة.