وصلنا الآن إلى السؤال الذي يربط كل الأوراق السابقة.
· إذا كان هدفك أسر بضعة جنود، لا تحتاج إلى عملية بهذا الحجم.
· إذا كان هدفك تحسين شروط تفاوض، تستطيع التفكير بعملية محدودة.
· إذا كان هدفك إرباك "إسرائيل"، يمكن أن يكون الحجم أكبر.
· لكن إذا كان الهدف كسر مسار تاريخي كامل، تصبح القضية مختلفة، فأنت هنا تحتاج إلى صدمة لا تستطيع "إسرائيل" ولا المنطقة احتواءها خلال يومين ثم العودة إلى السادس من أكتوبر.
وهنا تبدأ المفارقة:
- كلما كانت العملية أصغر، كانت قدرتك على التحكم بنتائجها أكبر، لكن قدرتها على تغيير الواقع أقل.
- وكلما كانت العملية أكبر، زادت قدرتها على تغيير الواقع، لكن قدرتك على التحكم بما يأتي بعدها تقل.
لنتخيل مقياساً.
· في طرفه الأول: عملية عسكرية محدودة ضد موقع إسرائيلي + احتمال الحرب الشاملة أقل = احتمال تغيير الإقليم يكاد يكون معدوماً.
· نرفع المستوى: مواقع عسكرية متعددة وأسر جنود + صدمة أمنية كبيرة = حدوث تصعيد عسكري مع تعزيز محدود للموقع السياسي للمقاومة على الساحة الفلسطينية دون تأثير كبير في الإقليم.
· نرفع أكثر: اختراق واسع + انهيار منظومة الحدود + عدد كبير من الأسرى + وصول القتال إلى مستوطنات ومدن = أصبح الحدث تاريخياً، والرد المتوقع سيصبح تاريخياً أيضاً.
وهنا ينبغي أن يسأل أحد الموجودين:
هل يوجد حجم للضربة كبير بما يكفي لقلب الطاولة، وصغير بما يكفي كي لا تنقلب الطاولة علينا؟
هذا ربما يكون السؤال الأصعب في التحقيق كله، لأنه لا يتعلق بصحة المقاومة أو خطئها، ولا بالشجاعة، ولا بالقدرة العسكرية، إنه سؤال في التحكم بمعايير القوة.
النجاح التكتيكي قد يصبح مشكلة
لنفترض أن الخطة وضعت حداً أدنى للنجاح: اختراق الحدود، السيطرة على مواقع، أسر جنود، العودة بعدد من الأسرى.
فماذا سيحدث إذا تجاوز التنفيذ التوقعات؟
إذا انهارت الدفاعات بصورة أسرع من المتوقع؟
إذا أصبحت المساحات المفتوحة أمام المهاجمين أكبر؟
إذا تضاعف عدد الأسرى؟
إذا استمر الهجوم ساعات أكثر مما كان مقدراً؟
في العمليات العسكرية، هناك عادة خطط للفشل، لكن هل توجد دائماً خطط للنجاح الزائد أو ما يُعرف بـ"الموفقيات"؟
هذه فكرة مهمة، فالنجاح التكتيكي ليس بالضرورة خيراً غير محدود. قد تصل إلى نقطة يصبح عندها كل إنجاز إضافي في الميدان منتجاً لرد استراتيجي أكبر من فائدته، وعندها تتحول المعادلة من: كلما نجحنا أكثر كان أفضل، إلى: عند أي نقطة ينبغي أن نتوقف؟
إذا لم تكن هذه النقطة محددة مسبقاً، يمكن للحدث أن يبدأ في قيادة أصحابه بدلاً من أن يقودوه.
ماذا عن الضفة والقدس؟
هناك طرف آخر لم ندخله الغرفة: الفلسطينيون خارج غزة. إذا كانت النظرية تقوم على إحداث زلزال، فمن الطبيعي أن يدخل في الحساب احتمال انتقال الصدمة إلى الضفة الغربية والقدس وربما فلسطينيي الداخل.
فالعملية إذا بقيت مواجهة بين غزة و"إسرائيل" ستكون شيئاً، أما إذا تحولت إلى انتفاضة فلسطينية واسعة، فستصبح شيئاً آخر تماماً. وهنا يمكن فهم أهمية المسجد الأقصى في الخطاب والتسمية.
لكن مرة أخرى، هناك فارق بين الرمز المحفز وبين القدرة على إنتاج انتفاضة بأمر عملياتي.
المجتمعات لا تتحرك كالوحدات العسكرية. هناك أجهزة أمنية، مصالح اقتصادية، سلطة فلسطينية، انقسام سياسي، خوف من الرد الإسرائيلي، اختلافات بين المدن والمخيمات والقرى، وموازين قوى محلية.
لذلك إذا كان نجاح الخطة يحتاج انتفاضة واسعة في الضفة، فإننا نواجه مجدداً المشكلة نفسها:
حلقة أساسية من الخطة لا يملك صاحب الخطة قرارها. يمكنه أن يحاول خلق الشرارة، لكنه لا يستطيع ضمان الحريق.
وهنا ينبغي أن نسأل: هل كان المطلوب من الضفة أن تنتفض كي تنجح العملية؟ أم أن انتفاضتها كانت مكسباً إضافياً إذا حدثت؟
الفرق جوهري.
لأن الخطط القوية تميز بين الشروط الضرورية للنجاح والنتائج المرغوبة.
إذا خلطت بين الاثنين، تصبح أمنياتك جزءاً من حساباتك، وهذا الأمر لا بدّ أخذه بعين الاعتبار حين تريد تحديد حجم العملية.
ورقة الأسرى: مفتاح السجون أم مكبح الحرب؟
الآن نضع ورقة أخرى على الطاولة.
الأسرى، ستكون هذه ورقة تأمين على الحياة بالنسبة لتوجيه ضربة كبيرة وغير مسبوقة لإسرائيل. بالنسبة إلى حماس، ليست هذه فكرة جديدة.
صفقة جلعاد شاليط عام 2011 انتهت بإطلاق إسرائيل أكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل جندي إسرائيلي واحد، سبقها تصعيد عسكري اسرائيلي ضد غزة قابل للإحتواء.
إذاً لدى الحركة سابقة تاريخية تقول إن الأسير الإسرائيلي يستطيع أن يتحول إلى كابح للجماح وقوة تفاوضية هائلة.
وبالتالي، يمكن تصور منطق واضح داخل الغرفة: "إذا استطعنا أسر عدد كبير، فسنمتلك ورقة لم نمتلك مثلها من قبل. ليست ورقة لتحرير أسرى فلسطينيين فقط، ربما تصبح أيضاً أداة لفرض تفاوض على الحرب نفسها".
وهنا قد يظهر رهان إضافي: هل يمكن للأسرى أن يحدوا من حرية إسرائيل في استخدام القوة؟
منطقياً، وجود إسرائيليين محتجزين داخل منطقة ستتعرض للقصف يعقد القرار العسكري الإسرائيلي. وقد لاحظت خدمة أبحاث الكونغرس بعد الهجوم أن وجود الرهائن عقّد الحسابات العسكرية الإسرائيلية والأميركية، في ضوء تاريخ صفقات التبادل السابقة. إذاً الرهان ليس بلا أساس.
لكن الطرف المعارض داخل الغرفة يستطيع أن يسأل: ماذا لو حدث العكس؟
ماذا لو لم تعتبر إسرائيل الأسرى مكبحاً للحرب، بل اعتبرت أسر هذا العدد سبباً إضافياً لخوضها؟
ماذا لو أصبح تحريرهم بالقوة هدفاً عسكرياً؟
لكننا داخل غرفة القرار نسأل الآن عن الحساب:هل الأسرى يمنعون الحرب؟ أم يرفعون سقف أهداف الحرب؟ وهل يختلف وجود مدنيين بين الأسرى عن وجدود أسرى عسكريين فقط تم أسرهم بعمل هجومي وليس دفاعي؟
لا نعرف، فالموقف لم يخضع للاختبار سابقاً.
المقاتل تحت الأرض... والمدني فوقها
نزيل الآن خرائط المواقع الإسرائيلية، ونضع أمامنا خريطة غزة.
هنا يجب أن يصبح النقاش أكثر قسوة، ليس لأننا نعرف ما سيحدث لاحقاً، بل لأن بعض عناصر الخطر معروفة مسبقاً.
غزة صغيرة، مكتظة، محاصرة، محدودة الموارد، لا عمق جغرافياً يمكن نقل ملايين المدنيين إليه داخل القطاع، و"إسرائيل" تمتلك تفوقاً جوياً ونارياً كبيراً.
في المقابل، أمضت حماس سنوات في بناء منظومة عسكرية تستطيع العمل تحت الأرض.
وهنا تظهر فجوة ينبغي ألا نتجاوزها: القدرة على حماية التنظيم ليست القدرة على حماية المجتمع.
المقاتل يستطيع دخول النفق، مركز القيادة يمكن نقله، السلاح يمكن تخزينه.
لكن المستشفى لا يدخل النفق، محطة تحلية المياه لا تدخل النفق، شبكة الكهرباء لا تدخل النفق، المخبز لا يدخل النفق، والعائلة التي تضم أطفالاً ومسنين لا تتحول إلى وحدة عسكرية تستطيع العيش أشهراً تحت الأرض.
إذاً ينبغي أن يكون لدينا في غرفة السادس من أكتوبر ميزانان.
· الأول يقيس: كم تستطيع حماس الصمود؟
· والثاني: كم تستطيع غزة الصمود؟
وقد تكون النتيجتان مختلفتين تماماً.
الحجة الأخيرة لمؤيدي التنفيذ: وإذا لم نفعل شيئاً؟
بعد كل هذه التحذيرات، قد يبدو أن كفّة «لا» أصبحت أثقل.
لكن هنا يعود صاحب الرأي المؤيد للعملية إلى السؤال الأول، ويقول: "حسناً، سمعت كل المخاطر. "إسرائيل" قد تتوحد، حزب الله قد لا يدخل الحرب الشاملة، إيران قد تضبط التصعيد، الضفة قد لا تنتفض، الأسرى قد لا يردعون الحرب، وغزة قد تدفع ثمناً هائلاً. لكن لدي سؤال واحد: ما خطتكم أنتم؟ إذا رفضنا العملية، ماذا نفعل؟ ننتظر عاماً؟ خمسة أعوام؟ عشرة؟ ماذا سيحدث للاستيطان؟ ماذا سيحدث للقدس في ظل حكومة فيها أمثال بن غفير وسموتريتش؟ ماذا سيحدث لغزة؟
ماذا سيحدث عندما تندمج إسرائيل أكثر في المنطقة؟ هل يوجد مسار سياسي جدي إلى دولة فلسطينية؟
هل توجد قوة دولية مستعدة لفرضه؟ هل يوجد ضغط يجعل إسرائيل تغير الاتجاه من تلقاء نفسها؟".
هذه هي أقوى حجة لمعسكر "نعم للعملية". ليست أن العملية آمنة، بل أن البديل ليس آمناً أيضاً. فالمخاطرة ليست حكراً على الفعل، هناك مخاطرة في الانتظار. ومشكلة القرارات التاريخية أن صانع القرار لا يختار غالباً بين طريق خطير وطريق آمن، بل بين خطرين مختلفين: خطر أن تتحرك فتفتح باباً لا تستطيع إغلاقه، وخطر ألا تتحرك فيغلق التاريخ أمامك أبواباً قد لا تفتح مرة أخرى.
والآن فقط تصبح غرفة السادس من أكتوبر جاهزة للتصويت.