← العودة إلى التحقيقات
سياسة

هل أخطأ السنوار؟ ماذا لو لم يحصل 7 أكتوبر؟ الجزء 1

ضياء أبو طعام • 2026-10-07 • 11,174 مشاهدة

تحقيق استقصائي من ثلاثة أجزاء حول خلفية قرار عملية 7 أكتوبر التي غيرت منطقة الشرق الأوسط ومسارات الصراع في العالم.

هل أخطأ السنوار؟ ماذا لو لم يحصل 7 أكتوبر؟ الجزء 1

تحقيق إستقصائي لشبكة أثر من نوع تحقيقات الخلفية، يحلل ويطرح الإشكاليات ويجمع الأدلة حول قرار تنفيذ عملية طوفان الأقصى، أو ما باتت تُعرف بعملية يوم 7 أكتوبر 2023 التي خطط لها وأشرف عليها رئيس المكتب السياسي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في قطاع غزة يحيى السنوار. فهل كان القرار صحيحاً؟ هل كانت العملية تتطلب هذا الحجم من الهجوم؟ هل حُسبت التداعيات المحتملة بشكل صحيح؟ هل كان الرهان على حلفاء حماس داخل فلسطين وخارجها في مكانه؟

هذا التحقيق لا يناقش: صوابية جبهة الإسناد في لبنان، ولا حجم التدخل الإيراني، ولا تقييم الدور العراقي، ولا فعالية التدخل اليمني...بل يناقش نقطة واحدة: هل أخطأ السنوار، وماذا كان سيحصل لو لم تقع عملية 7 أكتوبر؟

الفصل الأول | الساعة الأخيرة قبل أن تتغيّر أجندة العالم

الفصل الأول | الساعة الأخيرة قبل أن تتغيّر أجندة العالم

لنتخيّل أننا في غزة، يوم الجمعة، السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

المساء يهبط على القطاع، وفي الخارج تبدو الإقليم كلّه مختلفاً تماماً عن الإقليم الذي سنعرفه بعد ساعات. لغاية الآن، الإسرائيليون منشغلون باحتفالات عيد "العُرُش"، مناوشات طابعها جماهيري عند حدود غلاف غزة، الجبهة اللبنانية على حالها منذ 18 عاماً باستثناء بعض المناوشات الناجمة عن المعادلات التي فرضتها نتائج حرب تموز 2006، لا صواريخ تعبر البحر الأحمر باتجاه فلسطين المحتلة، لا مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران و"إسرائيل".

لغاية الآن، لا أحد يعرف أن قطاع غزة سيصبح خلال ساعات نقطة البداية لزلزال سياسي وعسكري سيصل صداه إلى لبنان واليمن والعراق وإيران والولايات المتحدة، ويعيد القضية الفلسطينية إلى مركز النقاش الدولي.

لكننا لن نذهب إلى هناك بعد.

نحن الآن مدعوون سوية (بشكل افتراضي) للدخول إلى غرفة مغلقة؛ نترك الهواتف في المنازل، نتحرك ضمن إجراءات أمنية تمنع رصد حركتنا من قبل أجهزة التجسس الإسرائيلية. ثم نصل إلى حيث يجلس "أبو ابراهيم"، رئيس المكتب السياسي في حركة حماس يحيى السنوار.

أمامنا خريطة لغلاف غزة: مواقع عسكرية إسرائيلية، مستوطنات، طرق، أبراج مراقبة، نقاط عبور، لوائح مجموعات جرى تدريبها بعناية، لائحة مخازن أسلحة سريّة، خريطة شبكة أنفاق شديدة التعقيد، إحصاء بطائرات مسيّرة، خطط وتوقيتات وتقديرات جُمعت على مدى سنوات.

وعلى الطاولة قرار واحد ينبغي اتخاذه: هل ننفذ العملية صباح الغد؟

قبل أن نناقش، هناك شرط واحد للبقاء في هذه الغرفة: اترك كل ما تعرفه عن 7 أكتوبر خارج الباب.

لا تستخدم في قرارك ما عرفته في الثامن من أكتوبر، ولا ما عرفته بعد شهر، ولا ما أصبح معروفاً بعد ثلاث سنوات.

أنت الآن لا تعرف حجم الرد الإسرائيلي، ولا تعرف ما الذي سيفعله حزب الله، ولا قرار إيران، ولا موقف الولايات المتحدة، ولا تعرف إن كانت الضفة الغربية ستنتفض، ولا إن كانت جبهات المنطقة ستشتعل، ولا تعرف حجم الدمار الذي سيصيب غزة، ولا تعرف حتى ما إذا كانت العملية نفسها ستنجح عسكرياً في ساعاتها الأولى.

كل هذه معلومات نمتلكها نحن اليوم، أما أصحاب القرار في السادس من أكتوبر فلم يكونوا يمتلكونها.

ولهذا يقوم هذا التحقيق على قاعدة واحدة: لا نحاكم قرار السادس من أكتوبر بمعلومة لم يكن صاحبه يستطيع معرفتها في السادس من أكتوبر.

لكننا لن نفعل العكس أيضاً. نحن قبل أن نخرج من الغرفة، لن نكتفي بفهم دوافع القرار لكي نعتبره صحيحاً، بل سنقوم بشيء أكثر صعوبة. سنعيد بناء العالم الذي كان موجوداً قبل العملية، ونضع المعلومات المتاحة آنذاك على الطاولة، ونحاول فهم الرهانات التي يمكن أن يكون القرار قد بُني عليها، ثم سنصوّت: هل نحن مع العملية بناءً على فهمنا لعالم ما قبل 7 أكتوبر، أم ضدّها، أم مع تأجيلها.

وبعد التصويت فقط، سنفتح باب الغرفة إلى صباح السابع من أكتوبر،ن وسنأخذ كل رهان وضعناه على الطاولة ونقابله بما حدث فعلاً خلال السنوات التالية، ثم نحكم على نتيجة تصويتنا.

وللمزيد من فهم صوابية القرار من عدمها، سنفعل شيئاً أصعب من ذلك كله. سنمحو 7 أكتوبر من التاريخ افتراضياً، ونترك عالم السادس من أكتوبر يكمل طريقه حتى عام 2030، وعندها لن يكون السؤال: هل كانت عملية 7 أكتوبر ناجحة أم فاشلة؟

بل: ماذا لو لم يحصل 7 أكتوبر بالنسبة للفسلطيين ولأرضهم ولقضيتهم.

هذه هي القضية التي سنحقق فيها.

الورقة الأولى على الطاولة: ماذا لو لم نفعل شيئاً؟

قبل أن نسأل لماذا اتخذت حماس قرار الهجوم، علينا أن نطرح السؤال الذي غالباً ما يسقط من النقاش: ماذا كان سيحدث لو لم تفعل شيئاً؟

السؤال يبدو بسيطاً، لكنه يغيّر طريقة النظر إلى القرار كله.

فعندما نحاكم حرباً بعد وقوعها، نقع بسهولة في مقارنة غير عادلة: نقارن الحرب بالسلام.

حدث الهجوم، فحدثت الحرب والدمار والخسائر. إذاً، لو لم يقع الهجوم، لما حدث كل ذلك.

هذا صحيح في المستوى المباشر، لكنه لا يخبرنا ماذا كان سيحدث سياسياً واستراتيجياً لو استمر العالم الذي كان موجوداً في السادس من أكتوبر.

فالبديل الحقيقي للعملية لم يكن تجميد الزمن، بل كان استمرار للزمن، والزمن الفلسطيني في 2023 لم يكن واقفاً.

  • في الضفة الغربية كان الاستيطان يتقدم بوتيرة مرتفعة. وفي النصف الأول من عام 2023 وحده، وثّقت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية الدفع بمخططات لنحو 12,349 وحدة استيطانية، وهو رقم قياسي في الفترة التي كانت الحركة ترصد فيها هذه الإجراءات بصورة منهجية. وفي الوقت نفسه، كان النظام السياسي الفلسطيني يعيش أزمة عميقة. فقبل أسابيع من 7 أكتوبر، أظهر استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية مستويات مرتفعة من فقدان الثقة بالسلطة الفلسطينية وبالمسار السياسي الذي بدأ مع أوسلو.

  • في غزة، استمر الحصار والقيود الاقتصادية وحالة الفصل السياسي والجغرافي عن الضفة.

  • إقليمياً، فكانت هناك حركة في اتجاه آخر. السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل كانت تناقش ترتيبات يمكن أن تقود إلى تطبيع العلاقات السعودية–الإسرائيلية، ضمن صفقة إقليمية أكبر. وحتى إن لم يكن الاتفاق قد أُنجز، كما لم يكن ممكناً الجزم بأنه كان سيُنجز، لكن مجرد وجود هذا المسار كان يحمل دلالة استراتيجية كبيرة. فإذا أصبحت السعودية، بما تمثله عربياً وإسلامياً، جزءاً من مسار العلاقات الطبيعية مع إسرائيل، فإن خريطة المنطقة ستتغير بصورة يصعب على الفلسطينيين تجاهلها.

وهنا يستطيع أحد الجالسين في غرفتنا الافتراضية أن يضع السؤال الأول:

إذا انتظرنا خمس سنوات، هل سيكون موقع القضية الفلسطينية أفضل أم أسوأ؟ السؤال ليس عسكرياً، إنه سؤال عن الزمن.

هل يمكن أن تكون «عدم المبادرة» مخاطرة أيضاً؟ في التفكير الاستراتيجي، كثيراً ما تبدو المحافظة على الوضع القائم أقل مخاطرة من تغييره. لكن ذلك يصح فقط إذا كان الوضع القائم ثابتاً، أما إذا كان يتحرك في اتجاه تعتبره ضاراً، فإن عدم التدخل يصبح هو الآخر قراراً يحمل كلفة.

يبدو أن النقاش داخل هذه الغرفة لن يكون سهلاً، لذلك عليك الاعتدال في جلستك، لأن الآتي من النقاش سيحتاج تركيزاً.

لنضع المسألة من زاوية حماس.

إذا استمر الاستيطان في الضفة، واستمرت أزمة السلطة الفلسطينية، وبقيت غزة محاصرة، وتقدمت إسرائيل في بناء علاقاتها الإقليمية، فما الذي يتغير بعد خمس أو عشر سنوات لمصلحة مشروع حماس؟ ربما لا شيء، بل ربما تصبح قدرتها على تغيير المعادلة أقل.

من هنا يمكن فهم أحد المبررات المحتملة لقرار كبير: نافذة الفرصة قد لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.

لكن هذه ليست سوى نصف الحجة. فالشخص الجالس في الجهة الأخرى من الطاولة يستطيع أن يقول:

صحيح أن الاتجاهات سيئة، لكن وجود مشكلة متفاقمة لا يعني أن أي محاولة لكسرها ستكون أفضل من استمرارها. قد يكون العلاج أكثر خطراً من المرض.

وهنا يظهر أول خلاف حقيقي في غرفة القرار: ليس بين شخص يريد مصلحة فلسطين وآخر لا يريدها، بل بين قراءتين للزمن:

  • الأولى تقول: كل سنة ننتظرها تجعل موقعنا أسوأ.

  • والثانية تقول: كلما كانت كلفة تغيير المسار هائلة، يصبح الانتظار وإعادة بناء القوة خياراً عقلانياً أيضاً.

ولا نملك في السادس من أكتوبر طريقة لحسم الخلاف. نسجل هذه النقطة الأولى في الورقة أمامنا، وننتقل إلى الثانية.


الفصل الثاني | الساعة الفلسطينية كانت تتحرك إلى الخلف

الفصل الثاني | الساعة الفلسطينية كانت تتحرك إلى الخلف

نقطة النقاش هذه لا يتوقع أحد في الغرفة "الافتراضية" أنها ستستغرق وقتاً.

لنفترض أن أمامنا ساعة بثلاثة عقارب:

·       العقرب الأول هو الأرض.

·       الثاني هو النظام السياسي الفلسطيني.

·       والثالث هو موقع فلسطين في الإقليم.

في السادس من أكتوبر، كان من الممكن النظر إلى العقارب الثلاثة والشعور بأنها لا تتحرك في الاتجاه الفلسطيني.

·       الاستيطان يغير الوقائع على الأرض.

·       النظام السياسي الفلسطيني منقسم بين غزة والضفة ويعاني أزمة تمثيل وثقة.

·       والمشروع السياسي القائم على التفاوض للوصول إلى دولة فلسطينية لم ينتج دولة بعد ثلاثة عقود من أوسلو.

ثم يأتي العامل الإقليمي. الدول لا تنتظر إلى ما لا نهاية حلاً لصراع مزمن قبل أن تعيد ترتيب مصالحها.

اتفاقات أبراهام منذ 2020 أظهرت أن دولاً عربية تستطيع إقامة علاقات مع "إسرائيل" من دون انتظار تسوية فلسطينية نهائية، وإذا انتقل هذا المسار إلى السعودية، فقد يتكرس نموذج إقليمي جديد: إسرائيل تستطيع الاندماج في المنطقة حتى من دون حل القضية الفلسطينية.

بالنسبة إلى الفلسطينيين، هذه ليست مسألة بروتوكول دبلوماسي. إنها تتعلق بإحدى أهم أوراق القوة التاريخية التي امتلكتها قضيتهم: أن علاقتهم "بإسرائيل" كانت جزءاً من تحديد علاقة "إسرائيل" بالعالم العربي. إذا تآكلت هذه الورقة، فما الذي يبقى؟

يمكن أن يقول المعترض داخل الغرفة: "لكن التطبيع السعودي لم يكن محسوماً، والرياض نفسها كانت تطالب بمسار يتعلق بالفلسطينيين".

وهذا صحيح.

لذلك لا يجوز أن نقول إن 7 أكتوبر «منع حتماً» اتفاقاً كان سيقع حتماً. لكن يمكننا القول إن إمكانية تقدم هذا المسار كانت جزءاً من البيئة الاستراتيجية التي سبقت العملية.

وهنا يصبح السؤال أكثر دقة:

-        هل المطلوب من حماس منع اتفاق بعينه؟

-        أم منع ولادة شرق أوسط يستطيع أن يعيد ترتيب نفسه من دون أن تكون فلسطين في مركزه؟

إذا كان الثاني هو المقصود، فإن حجم الرهان يصبح أكبر بكثير، إذ أننا في هذه النقطة لا نتحدث عندها عن عملية لتحسين شروط تفاوض على الأسرى، بل نحن نتحدث عن محاولة إعادة القضية الفلسطينية بالقوة إلى الطاولة الإقليمية.

وهنا تبدأ ملامح عملية «تقلب الطاولة» بالظهور، ولن يختلف حول هذه النقطة أحد. فحجم العملية الفسطينية حدّده موقف عرب التطبيع بنفس المستوى: عملية كبيرة لترميم تنازل كبير.

الفصل الثالث | إسرائيل الضعيفة...وإسرائيل القويّة

الفصل الثالث | إسرائيل الضعيفة...وإسرائيل القويّة

نضع الآن صورة "إسرائيل" على الطاولة، والصورة في العام 2023 كانت غريبة عمّا يعرفه الفسلطينيون منذ العام 1948 تاريخ نكبة فلسطين والإعلان عن تأسيس الكيان الإسرائيلي.

من الخارج، دولة تمتلك واحداً من أقوى الجيوش في المنطقة، تفوقاً جوياً واستخبارياً وتكنولوجياً كبيراً، اقتصاداً متقدماً، علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وتوسعاً متزايداً في علاقاتها الإقليمية.

لكن من الداخل، كانت إسرائيل تعيش أزمة سياسية واجتماعية غير عادية. فمشروع التعديلات القضائية الذي دفعته حكومة بنيامين نتنياهو أطلق احتجاجات ضخمة، وأثار خلافات وصلت إلى مجتمع الاحتياط والمؤسسات الأمنية والعسكرية.

من غزة، يمكن قراءة هذه الصورة بطريقة مغرية: الخصم قوي عسكرياً لكنه منقسم اجتماعياً، وهذه قد تكون لحظة نادرة.

لكن ما معنى الانقسام في الحرب؟ هنا يجب أن نتوقف.

لأن هناك فرقاً بين ضعف الدولة في صراع داخلي وضعفها عند تعرضها لهجوم خارجي.

قد يتظاهر مئات آلاف الإسرائيليين ضد نتنياهو يوم الجمعة، ثم يقفون خلف الجيش يوم السبت إذا شعروا بأن المجتمع كله تعرض لهجوم. بل إن التهديد الخارجي قد يكون بالضبط ما تحتاجه دولة منقسمة لاستعادة وحدتها.

إذن لدينا قراءتان للمعلومة نفسها.

·       الأولى: "إسرائيل" منقسمة، وهذه فرصة.

·       والثانية: "إسرائيل" منقسمة، فلا تعطها سبباً يعيد توحيدها.

أي القراءتين أصح؟

لا يمكن لصاحب القرار معرفة ذلك مسبقاً، لكن يمكنه تقدير الاحتمال.

وهنا ينبغي أن نسأل سؤالاً أكثر عمقاً: هل كانت حماس تراهن على ضعف قدرة إسرائيل على الرد، أم على ضعف قدرة المجتمع الإسرائيلي على تحمل حرب طويلة؟ الفرق بين السؤالين مهم.

فقد يكون الجيش قادراً على الرد بقوة، بينما تعتقد حماس أن المجتمع لن يحتمل الأسرى والخسائر والاستنزاف وتعدد الجبهات.

وهذا يقودنا إلى فكرة ظهرت مراراً في خطاب قوى «محور المقاومة» قبل الحرب: أن إسرائيل متفوقة مادياً لكنها تعاني نقاط ضعف في قدرتها على تحمل حرب طويلة ومتعددة الجبهات. فإذا كانت هذه القراءة جزءاً من الحساب، فإن الهدف لا يصبح هزيمة الجيش الإسرائيلي في صباح واحد، بل يصبح الهدف "إدخاله في حرب تختلف عن الحرب التي يريدها".

لكن لكي يحدث ذلك، نحتاج إلى شيء آخر: إذا أردناها حرباً مختلفة عن كل الحروب السابقة مع "إسرائيل" لإضعاف قدرة مجتمعها على التحمّل، فنحن بحاجة إلى بقية الجبهات.

يسأل أحدنا قبل تدوين الملاحظة حول هذه النقطة: وكيف نجلب بقية الجبهات معنا غداً؟

سيجيب أحد المؤيدين للعملية في الغرفة: إما ننسق معهم بشأن العملية، وإمّا ... نجرّهم إليها.

الفصل الرابع | قلب الطاولة: ماذا كان يجب أن يحدث بعد الضربة؟

الفصل الرابع | قلب الطاولة: ماذا كان يجب أن يحدث بعد الضربة؟

هذه النقطة هي واحدة من أهم نقاط التحقيق كله. فلا يكفي أن نسأل: ما خطة الهجوم؟

علينا أن نسأل: ما النظرية التي تشرح "كيف يفترض أن يتحول نجاح الهجوم إلى نتيجة استراتيجية؟". فالهجوم التكتيكي يمكن أن ينجح بصورة مذهلة ولا يحقق هدفه السياسي. والتاريخ العسكري مليء بعمليات نجحت في ساعاتها الأولى ثم أنتجت حروباً لم يكن أصحابها يريدونها.

لذلك سنحاول إعادة بناء التسلسل المفترض.

1.     المرحلة الأولى: ضربة كبيرة ومفاجئة تكسر السياج وتضرب المواقع العسكرية والمستوطنات المحيطة بغزة وتؤدي إلى أسر عدد كبير من الإسرائيليين.

2.     المرحلة الثانية: تنهار صورة الردع الإسرائيلي التي تراكمت لعقود.

3.     المرحلة الثالثة: ترد إسرائيل بحرب واسعة.

4.     المرحلة الرابعة: تتحرك بقية الجبهات.

5.     المرحلة الخامسة: تواجه إسرائيل ضغطاً من غزة ولبنان وربما ساحات أخرى.

6.     المرحلة السادسة: يتحول الصراع إلى أزمة إقليمية ودولية يصعب على الولايات المتحدة والقوى الكبرى تجاهلها.

7.     المرحلة السابعة: تتوقف عملية إعادة ترتيب المنطقة بمعزل عن الفلسطينيين، وتعود فلسطين إلى مركز السياسة الإقليمية.

هذه، في جوهرها، نظرية "التفاعل المتسلسل".

إذا كنّا نجلس في الغرفة، فلن يناقش أحد في صوابية تنفيذ عملية تؤدي نتائجها إلى هذه المراحل. لكن بعضنا قد يسأل السؤال بطريقة مختلفة: ما الذي يضمن أن جميع هذه المراحل سوف تحصل، ولن يحصل شيء ما يوقف مسار "أحجار الدومينو" هذا؟

إذا حصل ذلك في المرحلة الثانية مثلاً، فهذا جيد، ولكن هذا سيحقق نتيجة العملية ببعدها الاستراتيجي؟

وإذا توقفت المراحل في المرحلة الثالثة، فما الذي تعتمد عليه خطة العملية للنجاح من دون تدخل الجبهات الأخرى؟

هذا سيدفعنا إلى تأجيل تدوين ملاحظتنا حول هذا البند بناءً على النقطة التالية في جدول النقاش.

الفصل الخامس | نطرية التفاعل المتسلسل

الفصل الخامس | نطرية التفاعل المتسلسل

الآن لننظر إلى نظرية "التفاعل المتسلسل" بطريقة مختلفة. ضع دائرة حول كل قرار في السلسلة، ثم اكتب إلى جانبه:  من يملكه؟

-        قرار العملية؟ ج: حماس.

-        حجم الرد الإسرائيلي؟ ج: حكومة نتنياهو.

-        دخول حزب الله الحرب؟ ج: حزب الله.

-        مستوى تدخل إيران في المعركة؟ ج: إيران.

-        تحرك العراق واليمن؟ ج: قيادات تلك الساحات.

-        تدخل الولايات المتحدة؟ ج: الإدارة الأميركية.

-        انتفاضة الضفة؟ ج: مجتمع وقوى وبيئة مختلفة لا يمكن إصدار أمر مركزي لها.

-        رد الفعل الدولي؟ ج: عشرات الدول والمؤسسات.

فجأة نكتشف شيئاً: حماس تملك الحلقة الأولى، بينما تعتمد الحلقات التالية بصورة متزايدة على الآخرين.

وهنا تظهر مشكلة استراتيجية أساسية: كلما كان نجاح خطتك يعتمد على قرار لا تملكه، فأنت لا تخطط لهذا القرار، أنت تراهن عليه فحسب.

وهنا ينبغي أن نعرف: هل كانت هناك خطة مشتركة فعلاً؟ أم أن هناك تقديراً بأن حجم الصدمة سيخلق دينامية تجعل بقية الأطراف تتحرك؟

هذا السؤال سيأخذنا إلى داخل "محور المقاومة".

الفصل السادس | المحور موجود... لكن هل توجد خطة حرب؟

الفصل السادس | المحور موجود... لكن هل توجد خطة حرب؟

وجود «محور المقاومة» قبل 7 أكتوبر ليس افتراضاً.

كانت هناك شبكة حقيقية من العلاقات السياسية والعسكرية بين فصائل فلسطينية وإيران وحزب الله في لبنان وقوى عراقية وأنصار الله في اليمن.

لكن كلمة «محور» قد تخدعنا إذا اعتبرناها مرادفاً لكلمة "جيش".

فالتحالف السياسي شيء، والتنسيق العسكري شيء آخر، والقيادة العملياتية الموحدة شيء ثالث تماماً.

يمكن لقوى متعددة أن تتفق على الخصم، ويمكن أن تتبادل السلاح والخبرة والمعلومات، ويمكن أن تنسق في بعض الملفات.

لكن هذا لا يعني أنها تملك خطة واحدة تحدد:

·       متى تبدأ الحرب؟

·       من يفتح الجبهة أولاً؟

·       ما الهدف من كل جبهة؟

·       متى ترتفع وتيرة التصعيد؟

·       ماذا يحدث إذا تدخلت الولايات المتحدة؟

·       من يقرر وقف الحرب؟

·       وما النتيجة السياسية المطلوبة لكي يعتبر الجميع أن الحرب حققت هدفها؟

هذه الأسئلة ليست تقنية.

إنها الفرق بين محور سياسي–عسكري وبين قيادة حرب مشتركة.

وهنا يظهر السؤال الذي لا يمكن للتحقيق تجاوزه: في السادس من أكتوبر، هل كانت «وحدة الساحات» حقيقة عملياتية أم نظرية ردع وتضامن؟

إذا كانت حقيقة عملياتية، فمن الطبيعي أن تدخل في حسابات العملية. أما إذا كانت تعني أن كل طرف سيدعم الآخرين وفق ظروفه وحساباته، فإن افتراض تحولها تلقائياً إلى حرب إقليمية يصبح أكثر خطورة.

وأيضاً هناك سؤال آخر: هل العلاقة بين كل أطراف "محور المقاومة" بنفس المستوى؟

المتأمل في الإجابة عن هذا السؤال يخلص إلى أنّه إذا كانت الجمهورية الإسلامية الايرانية هي نقطة ارتكاز المحور دعماً وتدريباً وتسليحاً وتمويلاً، فإن توصيف العلاقة مع نقطة الارتكاز يمكن أن يكون على الشكل التالي:

-        إيران وفصائل المقاومة الفسلطينية: شراكة

-        إيران وحزب الله في لبنان: تحالف

-        إيران وفصائل المقاومة العراقية: تنسيق

-        إيران وأنصار الله في اليمن: صداقة

إذاً، فقرار العملية الهجومية صباح 7 أكتوبر ينبغي أن يلحظ بالضرورة فهماً مسبقاً لحجم تدخل جبهات هذا المحور، وهنا أيضاً سيكون للجغرافيا دور مهم. فإيران البعيدة جغرافياً ليست أكثر تأثيراً في الحرب ممن يملك مع الإسرئيليين خط احتكاك من مسافة صفر. وبالتالي، فإن فهم هذا الواقع جيّداً يستوجب أن ندخل شخصاً مهمّاً جداً إلى الغرفة: السيد حسن نصرالله.

الفصل السابع | لو دخل السيد حسن نصر الله غرفة السنوار

الفصل السابع | لو دخل السيد حسن نصر الله غرفة السنوار

لنفترض الآن أن باب الغرفة فُتح، ودخل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.

نتوقف هنا لحظة: هذا الاجتماع افتراضي. لا نقول إن السيد نصرالله كان حاضراً، ولا إن الحوار التالي وقع. ما نفعله هو محاكاة استراتيجية: ماذا كان يمكن أن يضيف الأمين العام لحزب الله السابق إلى النقاش لو عُرضت عليه الخطة كاملة مساء السادس من أكتوبر، استناداً إلى تجربته ومواقفه واستراتيجية الجبهة اللبنانية كما كانت معروفة آنذاك؟

لن يكون السؤال المفيد: هل تؤيد عملية ضد إسرائيل؟

هذا سؤال محسوم تقريباً داخل البيئة العامّة التي نتحدث عنها في محور المقاومة.

السؤال الحقيقي سيكون: ماذا تريدون من لبنان صباح الغد؟

وهنا يبدأ الاختلاف، وليس الخلاف، بين موقع يحيى السنوار وموقع السيد نصرالله.

بالنسبة إلى السنوار، غزة هي ساحة الحرب نفسها. هو لا يقرر ما إذا كانت غزة ستدخل الحرب بعد بدء العملية؛ بمجرد إطلاقها تصبح غزة داخلها.

أما السيد نصرالله فيملك قراراً مختلفاً. لديه جبهة هادئة نسبياً منذ 2006، وترسانة صاروخية كبيرة، ومقاتلون راكموا خبرة قتالية، وحدود مباشرة مع فلسطين المحتلة، وقدرة على تهديد شمال "إسرائيل" وعمقها.

لكن لديه أيضاً لبنان. بلد دخل منذ 2019 في انهيار اقتصادي ومالي عميق، وبنية تحتية هشة، ومؤسسات دولة مأزومة، ومجتمع يعرف جيداً ماذا تعني حرب إسرائيلية واسعة.

وهناك شيء آخر يجلس معنا في الغرفة وإن لم يكن شخصاً: ذاكرة تموز 2006 والتجربة التي تعرف جيداً جداً الفارق بين حجم العملية التي تبدأها وحجم الحرب التي يقرر عدوّك أن يصنعها منها.

إذن ربما يكون أول سؤال يطرحه السيد على السنوار: هل تعرفون كيف سترد "إسرائيل؟".

سيكون الجواب بالضرورة: "لدينا تقدير، لكن لا أحد يملك الجواب".

وهنا يستطيع السيد نصرالله أن يقول: "هذا بالضبط هو الجزء الذي لا تملكونه".

 

ترسانة حزب الله: للحرب أم لمنع الحرب؟

هذه النقطة ضرورية لفهم حسابات الجبهة اللبنانية. فالقوة العسكرية لا تكتسب قيمتها فقط عندما تستخدم، أحياناً تكون قيمتها الكبرى في منع الخصم من القيام بشيء لأنه يعرف أنك تستطيع استخدامها، وهذه هي فكرة الردع، وبعد 2006، أصبح جزء أساسي من العلاقة بين حزب الله و"إسرائيل" قائماً على هذا النوع من الحساب.

"إسرائيل" تعرف أن حرباً واسعة مع لبنان قد تعرض جبهتها الداخلية إلى عدد كبير من الصواريخ، وحزب الله يعرف أن استخدام هذه الترسانة على نطاق واسع سيجلب على لبنان قوة نارية إسرائيلية هائلة. وبذلك يصبح السلاح الذي أُعد للحرب أداة للمساعدة على منعها أيضاً.

وهنا يمكن أن ينشأ حوار شديد الأهمية. قد يقول السنوار: "إذا امتلكنا كل هذه القوة ثم لم نستخدمها عندما تأتي اللحظة التاريخية، فما فائدتها؟".

ويستطيع السيد نصرالله أن يرد: "وهل قيمة القوة في استخدامها دائماً، أم في جعل الخصم يعيد حساباته بسبب وجودها؟".

إنه خلاف بين منطقين: منطق يرى أن تراكم القوة يجب أن يصل في لحظة ما إلى الانفجار، ومنطق يرى أن استمرار وجود القوة بحد ذاته قد يكون رصيداً استراتيجياً لا ينبغي استهلاكه إلا في ظرف يبرر ذلك.

لكن الرجلين قد يتفقان على شيء مهم: إسرائيل في 2023 كانت تعيش أزمة داخلية حادة، والسيد نصرالله كان يتابعها.

إذاً، يمكن أن يتفق مع السنوار على التشخيص: إسرائيل تمر بلحظة ضعف داخلي غير عادية.

لكن من هنا قد يختلفان مجدداً.

السنوار يستطيع أن يقول: "هذه هي اللحظة التي ننتظرها. لا أحد يضمن أن تبقى إسرائيل منقسمة العام المقبل".

والسيد نصرالله يستطيع أن يسأل: "ماذا لو كانت العملية الكبيرة هي بالضبط ما تحتاجه إسرائيل لكي تتوحد؟".

وهكذا يصبح النقاش المفترض أكثر دقة، ليس: هل إسرائيل ضعيفة؟ بل: ماذا تفعل عندما يكون خصمك ضعيفاً؟

هل تضربه بأقصى ما تستطيع؟

أم تستثمر ضعفه في رفع الضغط وتحسين قواعد الاشتباك من دون منحه تهديداً وجودياً يعيد توحيد مجتمعه؟

لا توجد إجابة مؤكدة في السادس من أكتوبر، لذلك نسجّل السؤال على ورقة الملاحظات التي سوف تسبق التصويت على تنفيذ العملية.

ثم يضع السيد نصرالله خريطة لبنان على الطاولة، وهنا يصبح الحوار أكثر واقعية: "ماذا تريد حماس من حزب الله تحديداً؟".

يمكن أن نضع أربعة مستويات:

·       الأول: تحرك محدود على الحدود لإرباك إسرائيل.

·       الثاني: جبهة استنزاف طويلة تجبر الجيش الإسرائيلي على الاحتفاظ بقوات كبيرة في الشمال.

·       الثالث: استخدام واسع للصواريخ لضرب العمق الإسرائيلي وإجبار إسرائيل على خوض حرب حقيقية على جبهتين.

·       الرابع: دخول حزب الله بكل قدراته في حرب شاملة بالتزامن مع غزة.

هذه ليست درجات مختلفة من الشيء نفسه، بل إنها استراتيجيات مختلفة، ولكل منها خططها وإجراءاتها وتحضيراتها.

إذا كانت خطة حماس تحتاج المستوى الأول لكي تنجح، فالأمر قابل للتصور من دون تنسيق شامل مسبق. لكن إذا كانت تحتاج الرابع، فنحن لا نتحدث عن عملية فلسطينية تتلقى إسناداً. نحن نتحدث عن حرب إقليمية كان ينبغي أن يعرف أحد أهم أطرافها مسبقاً أنه طرف فيها.

وهنا يصبح السؤال الذي من البديهي أن يطرحه السيد نصرالله على السنوار: "أي مستوى تحتاجون منا لكي تنجح خطتكم؟".

فإذا كان الجواب: "نحتاج فقط إلى أن تتحركوا"، يستطيع السيد أن يسأل: "إلى أي حد نتحرك؟". وإذا كان الجواب: "بحسب تطور الحرب"، يأتي السؤال الأخطر: "إذاً هل خطتكم مبنية على قرار لم نتخذه بعد؟".

ماذا تعني «وحدة الساحات»؟

هنا يصل النقاش إلى جوهر المفهوم من "محور المقاومة".

قد يقول السنوار: "إذا لم تدخل الجبهات عندما تتعرض غزة لحرب بهذا الحجم، فما معنى وحدة الساحات؟".

لكن السيد نصرالله يستطيع أن يطرح تعريفاً مختلفاً: "ربما تعني وحدة الساحات أن كل جبهة تضغط وفق ظروفها، لا أن جميع الجبهات تدخل المستوى نفسه من الحرب في اللحظة نفسها".

الفرق هنا ليس لغوياً.

إذا فهمت حماس «وحدة الساحات» باعتبارها ضمانة حرب مشتركة، بينما فهمها الآخرون باعتبارها منظومة إسناد متدرج، فنحن أمام فجوة استراتيجية ضخمة.

وهنا ربما يكون السؤال الأهم الذي سيتركه نصرالله على الطاولة: "هل تحتاجون إلى أن نساند الحرب، أم تحتاجون إلى أن نخوض الحرب نفسها؟".

إذا كان نجاح العملية يحتاج الثانية، فلا يكفي أن يكون المحور موجوداً: يجب أن تكون خطة الحرب لدى المحور "موجودة أيضاً".

الفصل الثامن | لو وصلت الخطة إلى طهران

الفصل الثامن | لو وصلت الخطة إلى طهران

الآن نخرج من بيروت ونتجه شرقاً. لنفترض أن الخطة وصلت كاملة إلى القيادة الإيرانية قبل التنفيذ.

مرة أخرى، نحن أمام محاكاة. لكن لدينا معلومة مهمة ظهرت بعد الهجوم: التقييم الأميركي الأولي لم يجد دليلاً على أن إيران أدارت أو نسقت عملية 7 أكتوبر، وقالت الخارجية الأميركية في 10 أكتوبر 2023 إن طهران ربما كانت تعرف أن حماس تخطط لعمليات ضد إسرائيل، لكن من دون معرفة دقيقة بالتوقيت أو الحجم. كما أشارت تقارير استخبارية أميركية مبكرة إلى أن مسؤولين إيرانيين كباراً فوجئوا بالهجوم، وهذا مهم للغاية لتحقيقنا.

فإيران دعمت حماس على مدى سنوات بالمال والسلاح والتدريب، لكن الدعم الاستراتيجي لا يساوي بالضرورة الموافقة المسبقة على عملية بعينها  حتى تقرير الخارجية الأميركية عن ما يسمّيه الإرهاب لعام 2023 قال إنه لا توجد أدلة على أن إيران كانت تعلم مسبقاً بهجوم 7 أكتوبر، مع تأكيده في الوقت نفسه دور الدعم الإيراني الطويل الأمد لحماس.

إذن نضع الخطة افتراضياً أمام طهران. ينظر القادة الايرانيون إلى خطة عملية 7 أكتوبر، فماذا سيرون؟ بالتأكيد سيرون ما يلي:

-        فرصة لإضعاف "إسرائيل".

-        فرصة لإرباك مشروع إقليمي تقوده واشنطن.

-        ربما فرصة لتعطيل تقارب سعودي–إسرائيلي يهدّد إيران واستقرار المنطقة.

-        احتمال إعادة القضية الفلسطينية إلى قلب معادلات المنطقة.

كل ذلك قد يكون متوافقاً مع رؤية إيران، ولكن على الجهة الأخرى من الورقة، سترى إيران شيئاً لا تراه حماس بالطريقة نفسها: الدولة الإيرانية نفسها، وحليفها الاستراتيجي: حزب الله.

ففي إيران التي تقرأ خطة عملية عسكرية في غزة سوف تتدحرج إلى حرب إقليمية:

·       منشآت نووية.

·       قواعد عسكرية.

·       حقول نفط وغاز.

·       مدن.

·       ممرات بحرية.

·       اقتصاد يعاني أصلاً من العقوبات.

·       علاقة مع دول الخليج آخذة في التطور خصوصاً السعودية.

·       علاقة مع روسيا والصين.

·       تهديد وجود عسكري أميركي في المنطقة.

وأيضاً، حين تنظر إيران إلى حلفائها، لا يصبح السؤال لديها: هل نريد الضغط على إسرائيل؟ بل: هل نريد تحويل كل شبكة الردع التي بنيناها خلال عقود إلى حرب واحدة الآن؟

 

المحور كرصيد استراتيجي

لننظر إلى الأمر من زاوية طهران. إيران أمضت سنوات في بناء شبكة من الحلفاء والشركاء والأصدقاء في المنطقة.

إن هذه الشبكة تمنح طهران قدرة على الضغط والردع وإيجاد بدائل المواجهة عن الحرب العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وكلما كانت هذه الشبكة قوية، ازدادت قيمتها.

أما إذا دخلت جميع مكوناتها حرباً مفتوحة في وقت واحد، فإن إيران تنتقل من امتلاك شبكة ردع إلى استهلاك شبكة الردع.

وهنا يمكن أن تسأل القيادة الإيرانية السنوار: "ما الذي تريد تحقيقه بحيث يستحق استخدام هذا الرصيد الآن؟.

إذا كان الهدف صفقة أسرى، ربما لا نوافق.

إذا كان الهدف تحسين قواعد الاشتباك، ربما لا نوافق أيضاً.

أما إذا كان الهدف إطلاق تحول تاريخي يمنع إعادة تشكيل الشرق الأوسط من دون الفلسطينيين ويضع إسرائيل أمام أزمة استراتيجية، فهنا يصبح النقاش مختلفاً".

لكن حتى في هذه الحالة، يبقى السؤال: "ما خطتكم لنهاية الحرب؟ ماذا لو قلنا لكم: لا؟".

هنا تظهر المعضلة، فلو عرض السنوار الخطة كاملة على طهران، فهناك احتمال أن توافق، لكن هناك أيضاً احتمال أن تقول له: "العملية كبيرة أكثر مما ينبغي. أجلوها؛ قلّصوا أهدافها؛ لا تسهدفوا مدنيين؛ ركزوا على المواقع العسكرية؛ لا تتجاوزوا مستوى يجعل إسرائيل تعتبر ما حدث تهديداً وجودياً".

فماذا سيكون موقف حماس حينها؟ إن مجرد التنسيق يعني منح طرف آخر القدرة على التأثير في القرار. وهنا نعود إلى نقطة الصفر في مبررات العملية.

وهناك نقطة أيضاً تمنع إسرال الخطة إلى طهران: إن الحفاظ على قرار العملية داخل دائرة شديدة الضيق هو جزء من شروط تنفيذها.

لكن هنا يولد التناقض: إذا لم تُبلغ حليفك كي لا يمنعك من العملية، فلا تستطيع بعد ذلك اعتبار دخوله الحرب جزءاً مضموناً من خطتك، ومن هذه اللحظة يتحول دخوله إلى جانبك من مستوى تنسيق إلى مستوى رهان. ولكن...للسنوار مبرر منطقي.

العبقرية التكتيكية والمشكلة الاستراتيجية

هذه ربما واحدة من أكثر المفارقات إثارة في عملية 7 أكتوبر. فلكي تنجح العملية عسكرياً، تحتاج إلى المفاجأة. ولكي تحقق المفاجأة، تحتاج إلى السرية.

كل شخص إضافي يعرف التفاصيل يمثل احتمالاً إضافياً للتسريب، كل جهاز استخبارات إضافي يدخل على الخط يوسع البصمة، وكل تنسيق عملياتي واسع يجعل إخفاء التحضيرات أصعب، لذلك يمكن الدفاع بقوة عن قرار حصر المعرفة.

لكن لنقلب الورقة.

إذا كان الهدف من العملية أكبر من غزة، وإذا كان النجاح الاستراتيجي يحتاج تحركاً متزامناً أو شبه متزامن من لبنان وإيران والعراق واليمن، فإنك تحتاج إلى التنسيق.

أي أن لديك شرطين متناقضين:

·       نجاح الهجوم يحتاج إلى أقل عدد ممكن من العارفين.

·       نجاح الحرب الإقليمية يحتاج إلى أكبر قدر ممكن من التنسيق.

كيف تجمع الاثنين؟ ربما لا تستطيع.

وهنا قد لا نكون أمام خطأ تنفيذي أصلاً. قد نكون أمام تناقض داخل تصميم العملية نفسها.

فكلما زادت السرية، ارتفعت احتمالات نجاح الساعة الأولى.

لكن كلما زادت السرية، قلت قدرة الحلفاء على الاستعداد لما يفترض أن يحدث في الساعة الخامسة واليوم الخامس والشهر الخامس.

وهذا يقودنا إلى سؤال مختلف: هل كان النجاح التكتيكي الهائل في الساعات الأولى أكبر من قدرة الخطة الاستراتيجية على استثماره؟

لا نجيب بعد. ما زلنا في السادس من أكتوبر.

الفصل التاسع | كم يجب أن تكون الضربة كبيرة؟

الفصل التاسع | كم يجب أن تكون الضربة كبيرة؟

وصلنا الآن إلى السؤال الذي يربط كل الأوراق السابقة.

·       إذا كان هدفك أسر بضعة جنود، لا تحتاج إلى عملية بهذا الحجم.

·       إذا كان هدفك تحسين شروط تفاوض، تستطيع التفكير بعملية محدودة.

·       إذا كان هدفك إرباك "إسرائيل"، يمكن أن يكون الحجم أكبر.

·       لكن إذا كان الهدف كسر مسار تاريخي كامل، تصبح القضية مختلفة، فأنت هنا تحتاج إلى صدمة لا تستطيع "إسرائيل" ولا المنطقة احتواءها خلال يومين ثم العودة إلى السادس من أكتوبر.

وهنا تبدأ المفارقة:

-        كلما كانت العملية أصغر، كانت قدرتك على التحكم بنتائجها أكبر، لكن قدرتها على تغيير الواقع أقل.

-        وكلما كانت العملية أكبر، زادت قدرتها على تغيير الواقع، لكن قدرتك على التحكم بما يأتي بعدها تقل.

لنتخيل مقياساً.

·       في طرفه الأول: عملية عسكرية محدودة ضد موقع إسرائيلي + احتمال الحرب الشاملة أقل = احتمال تغيير الإقليم يكاد يكون معدوماً.

·       نرفع المستوى: مواقع عسكرية متعددة وأسر جنود + صدمة أمنية كبيرة = حدوث تصعيد عسكري مع تعزيز محدود للموقع السياسي للمقاومة على الساحة الفلسطينية دون تأثير كبير في الإقليم.

·       نرفع أكثر: اختراق واسع + انهيار منظومة الحدود + عدد كبير من الأسرى + وصول القتال إلى مستوطنات ومدن = أصبح الحدث تاريخياً، والرد المتوقع سيصبح تاريخياً أيضاً.

وهنا ينبغي أن يسأل أحد الموجودين:

هل يوجد حجم للضربة كبير بما يكفي لقلب الطاولة، وصغير بما يكفي كي لا تنقلب الطاولة علينا؟

هذا ربما يكون السؤال الأصعب في التحقيق كله، لأنه لا يتعلق بصحة المقاومة أو خطئها، ولا بالشجاعة، ولا بالقدرة العسكرية،  إنه سؤال في التحكم بمعايير القوة.

 

النجاح التكتيكي قد يصبح مشكلة

لنفترض أن الخطة وضعت حداً أدنى للنجاح: اختراق الحدود، السيطرة على مواقع، أسر جنود، العودة بعدد من الأسرى.

فماذا سيحدث إذا تجاوز التنفيذ التوقعات؟

إذا انهارت الدفاعات بصورة أسرع من المتوقع؟

إذا أصبحت المساحات المفتوحة أمام المهاجمين أكبر؟

إذا تضاعف عدد الأسرى؟

إذا استمر الهجوم ساعات أكثر مما كان مقدراً؟

في العمليات العسكرية، هناك عادة خطط للفشل، لكن هل توجد دائماً خطط للنجاح الزائد أو ما يُعرف بـ"الموفقيات"؟

هذه فكرة مهمة، فالنجاح التكتيكي ليس بالضرورة خيراً غير محدود. قد تصل إلى نقطة يصبح عندها كل إنجاز إضافي في الميدان منتجاً لرد استراتيجي أكبر من فائدته، وعندها تتحول المعادلة من: كلما نجحنا أكثر كان أفضل، إلى: عند أي نقطة ينبغي أن نتوقف؟

إذا لم تكن هذه النقطة محددة مسبقاً، يمكن للحدث أن يبدأ في قيادة أصحابه بدلاً من أن يقودوه.

ماذا عن الضفة والقدس؟

هناك طرف آخر لم ندخله الغرفة: الفلسطينيون خارج غزة. إذا كانت النظرية تقوم على إحداث زلزال، فمن الطبيعي أن يدخل في الحساب احتمال انتقال الصدمة إلى الضفة الغربية والقدس وربما فلسطينيي الداخل.

فالعملية إذا بقيت مواجهة بين غزة و"إسرائيل" ستكون شيئاً، أما إذا تحولت إلى انتفاضة فلسطينية واسعة، فستصبح شيئاً آخر تماماً. وهنا يمكن فهم أهمية المسجد الأقصى في الخطاب والتسمية.

لكن مرة أخرى، هناك فارق بين الرمز المحفز وبين القدرة على إنتاج انتفاضة بأمر عملياتي.

المجتمعات لا تتحرك كالوحدات العسكرية. هناك أجهزة أمنية، مصالح اقتصادية، سلطة فلسطينية، انقسام سياسي، خوف من الرد الإسرائيلي، اختلافات بين المدن والمخيمات والقرى، وموازين قوى محلية.

لذلك إذا كان نجاح الخطة يحتاج انتفاضة واسعة في الضفة، فإننا نواجه مجدداً المشكلة نفسها:

حلقة أساسية من الخطة لا يملك صاحب الخطة قرارها. يمكنه أن يحاول خلق الشرارة، لكنه لا يستطيع ضمان الحريق.

وهنا ينبغي أن نسأل: هل كان المطلوب من الضفة أن تنتفض كي تنجح العملية؟ أم أن انتفاضتها كانت مكسباً إضافياً إذا حدثت؟

الفرق جوهري.

لأن الخطط القوية تميز بين الشروط الضرورية للنجاح والنتائج المرغوبة.

إذا خلطت بين الاثنين، تصبح أمنياتك جزءاً من حساباتك، وهذا الأمر لا بدّ أخذه بعين الاعتبار حين تريد تحديد حجم العملية.

ورقة الأسرى: مفتاح السجون أم مكبح الحرب؟

الآن نضع ورقة أخرى على الطاولة.

الأسرى، ستكون هذه ورقة تأمين على الحياة بالنسبة لتوجيه ضربة كبيرة وغير مسبوقة لإسرائيل.  بالنسبة إلى حماس، ليست هذه فكرة جديدة.

صفقة جلعاد شاليط عام 2011 انتهت بإطلاق إسرائيل أكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل جندي إسرائيلي واحد، سبقها تصعيد عسكري اسرائيلي ضد غزة قابل للإحتواء.

إذاً لدى الحركة سابقة تاريخية تقول إن الأسير الإسرائيلي يستطيع أن يتحول إلى كابح للجماح وقوة تفاوضية هائلة.

وبالتالي، يمكن تصور منطق واضح داخل الغرفة: "إذا استطعنا أسر عدد كبير، فسنمتلك ورقة لم نمتلك مثلها من قبل. ليست ورقة لتحرير أسرى فلسطينيين فقط، ربما تصبح أيضاً أداة لفرض تفاوض على الحرب نفسها".

وهنا قد يظهر رهان إضافي: هل يمكن للأسرى أن يحدوا من حرية إسرائيل في استخدام القوة؟

منطقياً، وجود إسرائيليين محتجزين داخل منطقة ستتعرض للقصف يعقد القرار العسكري الإسرائيلي. وقد لاحظت خدمة أبحاث الكونغرس بعد الهجوم أن وجود الرهائن عقّد الحسابات العسكرية الإسرائيلية والأميركية، في ضوء تاريخ صفقات التبادل السابقة. إذاً الرهان ليس بلا أساس.

لكن الطرف المعارض داخل الغرفة يستطيع أن يسأل: ماذا لو حدث العكس؟

ماذا لو لم تعتبر إسرائيل الأسرى مكبحاً للحرب، بل اعتبرت أسر هذا العدد سبباً إضافياً لخوضها؟

ماذا لو أصبح تحريرهم بالقوة هدفاً عسكرياً؟

لكننا داخل غرفة القرار نسأل الآن عن الحساب:هل الأسرى يمنعون الحرب؟ أم يرفعون سقف أهداف الحرب؟ وهل يختلف وجود مدنيين بين الأسرى عن وجدود أسرى عسكريين فقط تم أسرهم بعمل هجومي وليس دفاعي؟

لا نعرف، فالموقف لم يخضع للاختبار سابقاً.

 

المقاتل تحت الأرض... والمدني فوقها

نزيل الآن خرائط المواقع الإسرائيلية، ونضع أمامنا خريطة غزة.

هنا يجب أن يصبح النقاش أكثر قسوة، ليس لأننا نعرف ما سيحدث لاحقاً، بل لأن بعض عناصر الخطر معروفة مسبقاً.

غزة صغيرة، مكتظة، محاصرة، محدودة الموارد، لا عمق جغرافياً يمكن نقل ملايين المدنيين إليه داخل القطاع، و"إسرائيل" تمتلك تفوقاً جوياً ونارياً كبيراً.

في المقابل، أمضت حماس سنوات في بناء منظومة عسكرية تستطيع العمل تحت الأرض.

وهنا تظهر فجوة ينبغي ألا نتجاوزها: القدرة على حماية التنظيم ليست القدرة على حماية المجتمع.

المقاتل يستطيع دخول النفق، مركز القيادة يمكن نقله، السلاح يمكن تخزينه.

لكن المستشفى لا يدخل النفق، محطة تحلية المياه لا تدخل النفق، شبكة الكهرباء لا تدخل النفق، المخبز لا يدخل النفق، والعائلة التي تضم أطفالاً ومسنين لا تتحول إلى وحدة عسكرية تستطيع العيش أشهراً تحت الأرض.

إذاً ينبغي أن يكون لدينا في غرفة السادس من أكتوبر ميزانان.

·       الأول يقيس: كم تستطيع حماس الصمود؟

·       والثاني: كم تستطيع غزة الصمود؟

وقد تكون النتيجتان مختلفتين تماماً.

الحجة الأخيرة لمؤيدي التنفيذ: وإذا لم نفعل شيئاً؟

بعد كل هذه التحذيرات، قد يبدو أن كفّة «لا» أصبحت أثقل.

لكن هنا يعود صاحب الرأي المؤيد للعملية إلى السؤال الأول، ويقول: "حسناً، سمعت كل المخاطر. "إسرائيل" قد تتوحد، حزب الله قد لا يدخل الحرب الشاملة، إيران قد تضبط التصعيد، الضفة قد لا تنتفض، الأسرى قد لا يردعون الحرب، وغزة قد تدفع ثمناً هائلاً. لكن لدي سؤال واحد: ما خطتكم أنتم؟ إذا رفضنا العملية، ماذا نفعل؟ ننتظر عاماً؟ خمسة أعوام؟ عشرة؟ ماذا سيحدث للاستيطان؟ ماذا سيحدث للقدس في ظل حكومة فيها أمثال بن غفير وسموتريتش؟ ماذا سيحدث لغزة؟

ماذا سيحدث عندما تندمج إسرائيل أكثر في المنطقة؟ هل يوجد مسار سياسي جدي إلى دولة فلسطينية؟

هل توجد قوة دولية مستعدة لفرضه؟ هل يوجد ضغط يجعل إسرائيل تغير الاتجاه من تلقاء نفسها؟".

هذه هي أقوى حجة لمعسكر "نعم للعملية". ليست أن العملية آمنة، بل أن البديل ليس آمناً أيضاً. فالمخاطرة ليست حكراً على الفعل، هناك مخاطرة في الانتظار. ومشكلة القرارات التاريخية أن صانع القرار لا يختار غالباً بين طريق خطير وطريق آمن، بل بين خطرين مختلفين: خطر أن تتحرك فتفتح باباً لا تستطيع إغلاقه، وخطر ألا تتحرك فيغلق التاريخ أمامك أبواباً قد لا تفتح مرة أخرى.

والآن فقط تصبح غرفة السادس من أكتوبر جاهزة للتصويت.

التصويت: هل ننفذ العملية صباح الغد؟

التصويت: هل ننفذ العملية صباح الغد؟

نغلق الملفات، وننظر إلى الطاولة للمرة الأخيرة.

لدينا مبررات "نعم للعملية":

·       الاستيطان يتوسع.

·       المشروع السياسي الفلسطيني في أزمة.

·       غزة محاصرة.

·       التطبيع الإقليمي يتقدم.

·       إسرائيل تعيش انقساماً داخلياً استثنائياً.

·       حماس راكمت قدرة عسكرية ومفاجأة ربما لا تتكرر.

·       هناك محور إقليمي قوي.

·       الانتظار نفسه يحمل مخاطر استراتيجية.

ولدينا مبررات "لا للعملية":

·       لا ضمان بأن يؤدي الانقسام الإسرائيلي إلى ضعفها في الحرب.

·       لا ضمان بأن يتحول «محور المقاومة» إلى حرب مشتركة.

·       إيران لم تتخذ بالضرورة قرار المواجهة الإقليمية.

·       الضفة لا يمكن تشغيلها بقرار عسكري.

·       الأسرى قد لا يمنعون الرد.

·       غزة شديدة الهشاشة أمام حرب طويلة.

·       العملية بمجرد تجاوز حجم معين قد تنتقل من يد صاحبها إلى دينامية لا يستطيع التحكم بها.

ثم هناك موقف ثالث: نفذوا، ولكن ليس بهذه الطريقة أو بهذا الحجم. أي أن المشكلة ليست في كسر الوضع القائم، بل في معايرة الصدمة.

في المحاكاة التحليلية التي أجرتها «أثر» لهذا التحقيق، وبعد وزن المعطيات المتاحة حتى مساء 6 أكتوبر، تمت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لتحليل المبررات. وكانت النتيجة:

رجحت كفة التنفيذ بنسبة افتراضية بلغت 78%، مقابل 12% لعدم التنفيذ و10% للتأجيل أو تعديل الخطة. هذه النسب ليست استطلاعاً ولا معلومات عن تصويت فعلي داخل حماس، وإنما أداة تحريرية لتمثيل وزن الحجج داخل المحاكاة.

·       78%  نعم.

·       12% لا.

·       10%  تأجيل أو تعديل الحجم والخطة.

والآن يحدث شيء مهم.

إذا كنت قد اخترت «نعم»، لا يسمح لك من هذه اللحظة بتغيير صوتك لأنك اكتشفت ما حدث لاحقاً.

وإذا اخترت «لا»، لا يسمح لك بالقول إنك كنت تعرف ما سيحدث.

لم يكن أحد يعرف.

كل ما نستطيع فعله الآن هو أن نأخذ الأسباب التي صوّتنا على أساسها ونختبرها، واحداً واحداً.

نفتح الباب: إنه صباح السابع من أكتوبر، انتهى زمن الفرضيات، أو هكذا يبدو.

لأن ما سيحدث خلال السنوات التالية سيكشف أن السؤال الأصعب لم يكن:

هل نجحت العملية؟

بل: أي من الرهانات التي بُني عليها القرار تحقق، وأيها فشل، وبأي كلفة؟

وهذا ما سيكون محل نقاش الجزء الثاني من هذا التحقيق.