بحسب رئيس "قاعة المراسلين العرب والأجانب"، في وزارة الإعلام، محمد ملي، أعطي لـ900 صحافي أجنبي حالياً تصاريح مؤقتة. مقابل 2500 تصريح في الحرب السابقة. وأرجع هذا الإنخفاض في الأعداد لصعوبة الحجوزات وإعاقة حركة الطيران.

إذاً، مراسلون أجانب يتنقلون في لبنان للتغطية الصحافية، إن كان في بيروت أو الجنوب، لتُكتشف بعدها أسماء مرتبطة بالموساد دخلت الى البلاد عبر جوازات سفر أجنبية، خاصة مع سهولة التنقل واستخدام متعاونين محليين، الى جانب تطور أدوات التجسس على رأسها الهواتف والكاميرات الحديثة.
قبل عامين (2024) ألقي القبض في بيروت على الأميركي-الإسرائيلي "يشوع تارتاكوسكي" الذي دخل الى لبنان بجواز سفر بريطاني وعثر بحوزته على أوراق ثبوتية اسرائيلية. إدعى لحظة توقيفه أنه صحافي وكان يتجول في الضاحية الجنوبية ويقوم بتصوير أحيائها لأغراض صحفية. تدخّلت حينها السفارة الأميركية لإطلاق سراح "أحد مواطنيها" بحجة أنه يحمل جنسيتين، بينها الإسرائيلية، لكنه دخل إلى لبنان للعمل لمصلحة مؤسسة إعلامية أميركية.
لاحقاً، وصل الإسرائيلي " يتسحاق هوروفيتس" إلى لبنان أواخر العام الماضي (2025)، بجواز سفر إسباني وتنقل بين المناطق سيما الضاحية الجنوبية ووثّق زيارة لضريح الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، لتكتشف هويته فيما بعد، أي بعد مغادرته، وذلك على لسان "هيئة البث العامة الإسرائيلية" التي نشرت الخبر مع صورته.
بعد أشهر، وتحديداً في شهر آذار/مارس 2026 ألقت السلطات الأمنية الكويتية القبض على هوروفيتس للإشتباه في علاقته بالموساد، قبل ترحيله لاحقاً لعدم "ثبوت" أي نشاط أمني مشبوه بحقه، بحسب ما ورد في وسائل إعلام كويتية وإسرائيلية.
وفي أيار/مايو 2026، نشرت القناة 14 الإسرائيلية مشاهد قالت إنها توثّق زيارة هوروفيتس إلى العراق، حيث تجوّل في بغداد والنجف وكربلاء، وتحدّث عن لقائه ما تبقى من الجالية اليهودية الصغيرة في البلاد قرب بلدة ذي الكفل، قبل مغادرته العراق الذي دخله مرة أخرى بجواز سفر أجنبي.
لنصل أخيراً الى شبهة الإختراق الأكبر خلال الحرب الأخيرة في لبنان (آذار 2026) "جالايسا دوغروت" Jalyssa Dugrot التي انتحلت صفة الصحافة وتبين لاحقاً، بحسب بيانات صحفية وناشطين صحفيين، بإنها كانت تعمل لصالح شركة "دفاع وتجسس" في الولايات المتحدة الأميركية (Spathe Systems).
دخلت دوغروت إلى لبنان عبر جواز سفر أجنبي وبتأشيرة دخول سياحية، وقامت بالمكوث في "مستشفى جبل عامل" في صور، تحت صفة صحافية مستقلة تتعاون مع Print Press News، التي أوضحت فيما بعد التعاون القصير بينها وبين دوغروت والذي لم يتجاوز الأسبوع (بين 18 و25 آذار/مايو) فقط. ويبدو أن هذا التعاون لم يكون سوى غطاء أمني لتعطيل التعقب والاشتباه بها.
حادثة تعقبت تفاصيلها الإعلامية وصاحبة موقع Mena Uncensored، ليلى حاطوم، إذ كشفت في نهاية شهر أيار الماضي، بإن دوغروت "غير قانونية وتعمل كصحفية في جنوب لبنان".
وفي حديث مع "أثر" تؤكد حاطوم تعقبها لدوغروت منذ العام 2024 حين دخلت الى لبنان، وأرادت "التدرب على مهنة المراسلة الحربية وفهم أكثر لمنطقة الشرق الأوسط". وشرعت في الدخول الى مجموعات الكترونية مساندة للمقاومة ونسجت علاقات شخصية مع البيئة الخاصة بها. وعن حيثية وخطورة دخولها الى مسشتفى في الجنوب اللبناني، قالت حاطوم بأن أمثال دوغروت يدخلون الى هذه الأماكن، بما يرجح انه تعّقب لهويات الجرحى ولحركة الإسعافات وللمسعفين وأوقات المغادرة والعودة. وباستطاعتها أيضاً التنصت الى ما يقوله أهالي الجرحى وايصال هذه الداتا الى مشغليها الإسرائيليين.
حاطوم التي عملت كمراسلة ميدانية وغطت حرب تموز/يوليو في لبنان عام 2006، وأيضاً واكبت صحفياً عمليات الإغتيال لشخصيات لبنانية بين الأعوام 2003 و2007، عُرفت باحتكاكها بصحافيي أجانب كثر لطبيعة عملها في وسائل إعلام أجنبية او ناطقة بالإنكليزية كـ"دايلي ستار".
لاحظت حاطوم لدى هؤلاء – سواء كانوا مراسلين أو كتّاباً - حجم اهتمامهم الكبير بزوايا محددة في لبنان، خاصة الشق الأمني والتركيز على طائفة بعينها، ألا وهي الطائفة الشيعية. هذا المسار تنامى بحسب حاطوم، بعد حرب تموز 2006، فباتت الأسئلة واضحة ومباشرة وتفصيلية - كما تقول – حول ما يُسمى بـ"بيئة المقاومة"، لتبدأ بعد هذه الأسئلة محاولة الإلتصاق بهذه البيئة لفهم "نمط حياتها اليومي وكيفية اختراقها".
تتوقف حاطوم عند ما وصفته ببداية هذا النوع من الإختراق، لدى اغتيال القائد في "حزب الله" غالب عوالي عام 2004، إذ أشارت الى وجود دور مرجّح لعناصر استخباراتية قدّمت نفسها كفريق إعلامي أجنبي، نمساوي على وجه التحديد، في محيط العملية في شارع معوّض شمال الضاحية الجنوبية لبيروت.
تميّز الإعلامية اللبنانية ليلى حاطوم بين ثلاثة أنواع من الصحافيين الأجانب في التجنيد:
الأول يكون صحافياً بالأصل ويجنّد لاحقاً على يد الموساد. هذا النوع بحسب حاطوم يصعب كشفه نظراً للحيثية التي يتمتع بها الصحافي في محيطه وتستند صفته إلى وثائق وإرث صحفي مثبت في المصادر العلنية المفتوحة.
· الثاني لا يمت بصلة الى الصحافيين ، لكنه يتلقى تدريباً لدى الموساد في مهارات مهنة الصحافة. هذا النوع من العملاء يتم زرعه عادة في المكاتب الصحافية، وينتشر بين الناس، ليمارس العمل الصحفي والأمني في وقتٍ واحد. ولكن، كون خبرته المهنية عادة قليلة، فهؤلاء تفضحهم كتاباتهم وأسئلتهم للشخصيات الرسمية وأسلوب عملهم أمام بقية الصحفيين المحترفين أو مسؤولي التنسيق الصحفي في المقرّات أو الميادين ممن يكونون غالباً من أصحاب الخبرة في العمل الإعلامي.
· أما النوع الثالث، فهو الجاسوس تحت غطاء الصحافة. عادة ما يكون مفضوحاً ومكشوفاً أمنياً، يشتغل على كتابات تثير النعرات، ويسعى على الدوام لجمع المعلومات حول مواضيع محددة. ولعلّ الأكثر شيوعاً في حالات التخفي بأثواب الصحافة، استخدام منظمات انسانية غير حكومية لدسّ عملاء داخلها. تعود حاطوم هنا، الى عاميّ 2002 و2003، عندما زرعت المخابرات الأميركية عملاء لها في منظمات مشابهة كـUSAID، وهو ما تم كشفه في العديد من دول العالم.
