← العودة إلى التحقيقات
أمني عسكري

لغز القواعد الإسرائيلية في العراق: هل بدأ تفجير الخرائط؟

أريج الحسيني + فريق أثر 2026-08-05 7,046 مشاهدة

كيف يمكن لراعٍ عراقي ذهب إلى بطن الصحراء للبحث عن مرعى لقطيعه أن يكتشف ما لم ترصده الردارات والقوى المسلحة العراقية؟ هذا التحقيق يتناول ملابسات الغموض الذي يلف ملف اكتشاف مواطن عراقي عن طريق الصدفة لحركة هبوط مروحيات عسكرية في موقع عسكري في جوف صحراء النجف، وتحديداً في منطقة النُخَيب جنوب غرب العراق قرب الحدود مع المملكة العربية السعودية. بعد أسابيع، كشفت مواقع إلكترونية أميركية ووكالات دولية عن قيام "إسرائيل" بإنشاء قواعد عسكرية مؤقتة داخل الجغرافيا العراقية، ربطاً بالحرب المندلعة مع إيران منذ 28 شباط 2026. فريق "أثر" توصّل بفعل التعمّق في البحث وملاحقة التصريحات إلى استنتاجات تتعلق بالتحكم والسيطرة على الرادرات العراقية، وحجب المعلومات عن الحكومة العراقية من قبل دول الجوار التي تمتلك أجهزة رادار متطورة تستطيع رصد غالبية الإقليم الجوي العراقي، كما حصلت على شهادة من أحد القادة العسكريين العراقيين "أبو مهدي الجعفري" - سرايا أولياء الدم، والتي تضمّنت تحذيراً بأن تقوم هذه القواعد المؤقتة وهذا التواجد والتواطؤ باستهداف دول المنطقة أو منشآتها النفطية لكي تُلصق التهمة بفصائل عراقية أو جهات إيرانية. بعد أسبوعين على إعداد التحقيق، شنّت السعودية غارات على مواقع عراقية بحجّة تعرض منشآت نفطية داخل السعودية إلى الاستهداف. فهل ثمّة رابط؟

لغز القواعد الإسرائيلية في العراق: هل بدأ تفجير الخرائط؟

يوم الثامن والعشرين من شهر تموز/يونيو 2026 شنّت طائرات حربية سعودية سلسلة غارات على أهداف مدنية وعسكرية عراقية إستهدفت بشكل مباشر مقرّات وأفراد من هيئة الحشد الشعبي.

كان المبرّر تعرّض منشآت في السعودية للاستهداف بطائرات مسيّرة إدّعت السلطات السعودية أن ناشطين في الحشد الشعبي العراقي يقفون وراءه.

كانت شبكة "أثر" في هذا اليوم تضع اللمسات الأخيرة على تحقيقها حول حادثة غامضة حصلت قبل ذلك بأربعة أشهر. حادثةٌ فسّرها أحد القياديين في المقاومة العراقية بأنها تمهّد الظروف لاستهداف دول عربية مجاورة بواسطة قوات إسرائيلية وإلصاقها بالعراق بهدف تفجير المنطقة أمنياً وعسكرياً.

في أحد الصباحات من شهر آذار/مارس 2026، لم يكن المواطن العراقي عواد هادي الشمري (29 عاماً) يبحث عن أكثر من مرعى جديد لقطيعه من الأغنام في بطن الصحراء.

في المساحة الممتدة بين النخيب والنجف غرب العراق، حيث تتشابه التلال الرملية وتضيع المسافات في الأفق المفتوح، اعتاد الرجل أن يتحرك في أرض يعرفها كما يعرف أهل المدن شوارع أحيائهم. لم يكن ضابطاً في جهاز أمني، ولم يكن محللاً عسكرياً، ولم يكن يتوقع أن يجد نفسه في قلب قصة ستتحول لاحقاً إلى واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل في العراق والمنطقة، بل وفي تحقيقات الصحافة الغربية.

بحسب ما ورد في تقرير وول ستريت جورنال الذي نُشر في التاسع من أيار/مايو 2026، فإن الحادثة وقعت خلال آذار/مارس 2026 في ذروة المواجهة العسكرية بين "إسرائيل" وإيران، عندما كانت "إسرائيل" تشغّل موقعاً سرياً مؤقتاً في الصحراء العراقية لدعم عملياتها ضد إيران. وذكرت الصحيفة أن الراعي اكتشف الموقع في أوائل آذار/مارس، قبل أن تتحرك قوة عراقية للتحقق من البلاغ.

أما أسوشيتد برس فنقلت في الخامس عشر من الشهر نفسه الرواية نفسها عن مسؤولين عراقيين وأمريكيين: نعم هناك موقعاَ إسرائيلياً في الصحراء العراقية.

أبلغ الرجل السلطات بما شاهده: "طائرات مروحية (هليكوبتر) تحط وتُقلع، آليات عسكرية ثقيلة، وتحركات منظمة لم تكن مألوفة في تلك المنطقة المعزولة التي تبعد 80 كيلومتراً فقط عن الحدود السعودية".

كما تناولت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) القضية ضمن تغطيتها للحرب الإقليمية، مشيرةً إلى أن التقارير الأميركية عن وجود موقع إسرائيلي مؤقت داخل صحراء النخيب أثارت جدلاً واسعاً في العراق بشأن السيادة الوطنية وقدرة الدولة على مراقبة أراضيها. وأبرزت BBC أن السلطات العراقية أقرت بوقوع حادثة استهدفت قوةً عسكرية كانت تتحرك للتحقق من بلاغ في المنطقة، لكنها لم تؤكد رسمياً أن القوة الأجنبية التي كانت موجودة هناك إسرائيلية. كما نقلت عن مسؤولين وخبراء أن ما وُصف بـ"القاعدة" قد يكون في الواقع موقع عمليات أو نقطة انتشار مؤقتة استُخدمت لدعم العمليات العسكرية ضد إيران، وليس منشأة عسكرية دائمة، وهو ما يجعل توصيفها محل خلاف حتى بين المصادر الأمنية نفسها.

لاحقاً، وسّعت صحيفة "نيويورك تايمز" نطاق الرواية المتداولة، وكان لافتاً تبنّي موقع صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" للتقرير، إذ نقلت عن مسؤولين أمنيين عراقيين وإقليميين أن "إسرائيل" لم تعتمد على موقع واحد داخل الصحراء العراقية، بل أنشأت موقعين سريين في غرب العراق خلال مرحلتين مختلفتين. ووفق التقرير، بدأ التحضير للموقع الأول أواخر عام 2024 ضمن خطة لاختيار نقاط نائية يمكن استخدامها في أي مواجهة مستقبلية مع إيران، بينما استُخدم الموقع الثاني خلال الحرب اللاحقة. وأشارت الصحيفة إلى أن الهدف من هذه المواقع لم يكن إنشاء قواعد عسكرية دائمة، بل توفير نقاط انطلاق ودعم لوجستي وعملياتي للقوات الخاصة والطيران خلال فترات زمنية محدودة، قبل إخلائها بعد انتهاء المهام. كما نقلت عن مسؤولين عراقيين أن بغداد لم تكن تمتلك معلومات مؤكدة عن وجود قواعد إسرائيلية داخل أراضيها، وهو ما يعكس استمرار الجدل بين الروايات الإعلامية والموقف الرسمي العراقي.

وبذلك يتضح أن تقرير "نيويورك تايمز" لا ينسف ما نشرته "وول ستريت جورنال"، بل يوسّع نطاقه؛ إذ يحوّل الحديث من موقع عمليات واحد إلى فرضية وجود أكثر من موقع مؤقت، مع بقاء جميع هذه الروايات بحاجة إلى أدلة مستقلة تؤكدها أو تنفيها، في ظل غياب إعلان رسمي عراقي أو إسرائيلي بهذا الشأن.

بدأت الأسئلة تحيط بالقضية. لكن ما حدث لاحقاً كان أكثر غموضاً من البلاغ نفسه.

 وهنا، بدأ فريق شبكة "أثر" بجمع كل المعطيات ومحاولة ربطها بالأدلة، للإجابة عن سؤال مركزي: كيف دخل الإسرائيليون إلى العراق ليشيدوا قاعدة عسكرية؟

أسئلة وألغاز .. وتأكيد ثم نفي!

أسئلة وألغاز .. وتأكيد ثم نفي!

بحسب الوارد في تقارير وول ستريت جورنال واسوشيتد، فإنه وبعد بلاغ الراعي عوّاد الشمري، تحركت قوة عسكرية رسمية عراقية للتحقق من المعلومات، لكنّها، وقبل وصولها إلى الموقع، تشير الروايات المتداولة، وفيديو نشره على منصة إكس أحد المواطنين العراقيين من أقارب الراعي الشمّري، إلى أنها تعرضت لهجوم أدى إلى استشهاد أحد الجنود وإصابة آخرين قبل أن تنسحب من المنطقة.

حاول فريق "أثر" تتبع إسم الجندي الشهيد في تلك الواقعة، لكن تبيّن أن الجهات الرسمية في وزارة الدفاع أو قيادة العمليات المشتركة العراقية لم تنشر الجهات الاسم الصريح للجندي الذي استشهد خلال إطلاق النار في صحراء النخيب مطلع آذار/مارس 2026، واكتفت البيانات الرسمية بالإشارة إلى سقوط شهيد وإصابة عنصرين من القوات الأمنية.

لاحقاً، تبيّن أن من بين الشهداء في حادقة إطلاق النار تلك كان الراعي عواد هادي الشمّري – الشاهد الوحيد على وجود القاعدة.

رحل الشاهد، واختفى الجنود، واختفت المروحيات والمعدّات، وبقيت الصحراء.، ومعها بقيت الأسئلة تطرقُ الأذهان: كيف يمكن أن يكتشف راعٍ بسيط ما لم تكتشفه أجهزة الرصد والمراقبة؟

من الذي كان يعمل في تلك المنطقة؟

هل تحولت بعض صحارى العراق إلى مساحات مفتوحة لقوى الاحتلال الاسرائيلي لتتحرك بعيداً عن أعين الدولة؟

من يسيطر على السماء في إحدى أخطر الجغرافيا الجيوسياسية في المنطقة، والتي يمكن أن يؤدي التلاعب بها إلى تفجير خرائط المنطقة بشكل كامل؟

ربما لا يتعلق الأمر بقاعدة عسكرية هنا أو موقع عمليات هناك. ربما يتعلق الأمر بقضية أكبر بكثير. قضية اسمها السيادة العراقية وجغرافيا المنطقة.

من يمتلك التسلّط على السماء العراقية؟

في العراق، لا يحتاج المسافر إلى رؤية جندي أمريكي كي يشعر بأن النفوذ الأمريكي ما زال حاضراً.

في مطارات بغداد والنجف والبصرة، وفي القواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء مختلفة من البلاد، ظل الوجود الأمريكي لعقدين جزءاً من المشهد الأمني العراقي.

ومنذ الغزو الأمريكي عام 2003 دخل العراق مرحلة مختلفة من تاريخه.

سقط النظام السياسي البعثي وانهارت مؤسسات الدولة التي كانت تحتكر القوة والسلاح والقرار الأمني، أو على الأقلّ، هكذا كان ظاهراً.

بعد سقوط النظام البعثي، تحول العراق، خلال سنوات قليلة، من دولة مركزية شديدة القبضة إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المشاريع الدولية والإقليمية.

في الشمال تمدد النفوذ التركي تحت عنوان الحرب على حزب العمال الكردستاني.

وفي الغرب والشرق تعاظم الصراع الأمريكي الإيراني على النفوذ والقرار السياسي والعسكري. فمنذ الغزو الأمريكي عام 2003، تأكدت القوى العراقية المقاومة أن واشنطن لم تأتِ لإسقاط نظام سياسي فحسب، بل لإرساء وجود طويل الأمد يمنحها القدرة على التحكم بمفاصل الدولة العراقية وقرارها السيادي وموقعها الجيوسياسي.

وفي المقابل، برزت إيران بوصفها اللاعب الإقليمي الأكثر حضوراً في مواجهة تنظيم داعش وفي دعم المقاومة العراقية واعتبرت نفسها معنية بحماية الحدود العراقية ومنع انهيار الدولة ووصول تهديد الجماعات التكفيرية إلى بغداد والنجف وكربلاء، أي إلى العمق الاستراتيجي الممهد لتهديد الجمهورية الاسلامية الايرانية.

أما إسرائيل، التي كانت تنظر إلى العراق لعقود بوصفه أحد أهم البلدان العربية القادرة على تشكيل تهديد استراتيجي لها، فقد وجدت نفسها أمام واقع جديد لم يكن متاحاً في العقود السابقة.

فالعراق الذي خاض حروباً كبرى، وامتلك واحداً من أكبر الجيوش في المنطقة، أصبح بلداً مثقلاً بالانقسامات والأزمات الداخلية والاختراقات الأمنية.

ومنذ ذلك الحين، بدأ العراق يدخل تدريجياً إلى الحسابات الأمنية الإسرائيلية بوصفه "جزءاً من الجغرافيا الجديدة للصراع مع إيران وحلفائها في المنطقة."

ولطالما ارتبطت المخاوف من التوسع الإسرائيلي، بأفكار ومشاريع تتحدث عن إعادة تشكيل المنطقة بما يضمن التفوق الإسرائيلي طويل الأمد، سواء عبر القوة العسكرية المباشرة أو عبر تفكيك مراكز القوة في الدول المحيطة.

وبغض النظر عن الجدل الواسع حول مدى واقعية هذه التصورات أو حدودها الفعلية، فإن الثابت أن إسرائيل تبنت منذ عقود استراتيجية تقوم على منع ظهور أي قوة إقليمية قادرة على تهديد تفوقها العسكري.

من هنا، لم يعد العراق بالنسبة إلى صناع القرار في تل أبيب مجرد دولة عربية بعيدة جغرافياً.

لقد تحول هذا البلد إلى جزء من ساحة أمنية أوسع تمتد من فلسطين المحتلة إلى سوريا ولبنان وصولاً إلى الحدود الإيرانية.

ومع تصاعد المواجهة بين "إسرائيل" وإيران خلال السنوات الأخيرة، ازداد حضور العراق في الحسابات العسكرية والاستخبارية للطرفين.

فالطريق الذي يربط إيران بسوريا ولبنان يمر عبر الأراضي العراقية، فضلا عن أن فصائل المقاومة العراقية تنتشر في مناطق متعددة من البلاد.

كما أن المساحات الصحراوية الشاسعة التي يصعب مراقبتها بصورة كاملة جعلت من بعض المناطق العراقية بيئة جاذبة للعمليات السرية والحروب غير المعلنة.

وهكذا، وجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب معركة تتعلق بإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط كله.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد السؤال المطروح: هل توجد قوة اسرائيلية هنا أو هناك؟

بل يصبح السؤال الأعمق:

هل ما زال العراق قادراً على حماية سيادته ومنع قوات الاحتلال الأمريكي وإسرائيل من استباحة أراضيه وأجوائه، وتحويله إلى منصة لحروب الآخرين ومسرح لتصفية الصراعات وبسط الهيمنة على المنطقة؟

ورغم انسحاب القسم الأكبر من القوات الأمريكية في مراحل لاحقة، بقي النفوذ العسكري والاستخباري الأمريكي أحد أبرز عناصر المشهد العراقي. ولعل أكثر الملفات حساسية كان ملف المجال الجوي، فالدولة التي لا تسيطر بصورة كاملة على سمائها، تجد صعوبة في السيطرة الكاملة على أرضها. وخلال السنوات الماضية تعرض العراق لسلسلة من الاختراقات الجوية والضربات العسكرية التي أثارت أسئلة متكررة حول حجم السيطرة العراقية الفعلية على أجوائه.

ومع اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من العراق عام 2014، دخلت البلاد مرحلة جديدة من الصراع. فبينما كانت القوات العراقية والفصائل التي تشكلت لاحقاً ضمن الحشد الشعبي تخوض معارك استنزاف قاسية لاستعادة المدن وحماية الحدود، كانت إيران تنخرط بصورة مباشرة في دعم الجهد العسكري العراقي ومنع سقوط بغداد والنجف وكربلاء بيد التنظيم.

وفي المقابل، كانت إسرائيل تراقب بقلق متزايد تعاظم محور المقاومة في العراق وسوريا ولبنان، معتبرة أن الحرب على داعش أتاحت لطهران توسيع حضورها العسكري والسياسي في المنطقة. ومنذ ذلك الوقت، بدأ العراق يتحول تدريجياً من ساحة حرب ضد التنظيمات المتطرفة إلى إحدى ساحات المواجهة غير المعلنة بين إسرائيل وإيران، في صراع يهدف، من وجهة نظر تل أبيب، إلى قطع خطوط التواصل الممتدة من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت، ومنع تشكل محور إقليمي قادر على تحدي التفوق الإسرائيلي أو تقليص النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.

الرادارات... هل ترى السماء العراقية؟

الرادارات... هل ترى السماء العراقية؟

قد يبدو السؤال بسيطاً، لكنه يمثل جوهر أي حديث عن السيادة الجوية: هل يمتلك العراق الوسائل التقنية الكفيلة برصد ما يدخل أجواءه؟

بحسب البيانات الرسمية والتقارير العسكرية المفتوحة المصادر، يشغل العراق اليوم عدداً من الرادارات العسكرية والمدنية، من أبرزها رادارات AN/FPS-117 الأمريكية بعيدة المدى، القادرة على رصد الأهداف الجوية على مسافات تتجاوز 400 كيلومتراً، ورادارات GM403  الفرنسية ثلاثية الأبعاد المستخدمة في الإنذار المبكر وتتبع الطائرات والأهداف الجوية. كما تعاقد العراق مؤخراً على شراء منظومات الدفاع الجوي الكورية الجنوبية KM-SAM Block II، التي تضم رادارات حديثة ثلاثية الأبعاد مخصصة لاكتشاف واعتراض الطائرات والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

لكن امتلاك هذه الرادارات لا يعني بالضرورة امتلاك منظومة رصد دفاع جوي متكاملة.

فالرادار لا يؤدي مهمته منفرداً، بل يعمل ضمن شبكة معقدة تضم مراكز قيادة وسيطرة، وأنظمة اتصال، ومنصات اعتراض، وآلية لاتخاذ القرار في الوقت المناسب. وإذا تعطلت إحدى حلقات هذه المنظومة، تصبح القدرة على حماية المجال الجوي محدودة، حتى وإن كانت الرادارات نفسها قادرة على كشف الأهداف.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه على هذا التحقيق: إذا كانت العراق يمتلك رادارات بعيدة المدى، فكيف تمكنت الضربات الجوية التي نُسبت إلى إسرائيل خلال السنوات الماضية من الوصول إلى أهدافها؟ وهل كانت تلك الرادارات ترصد الأهداف فعلاً، أم أن المشكلة تكمن في آلية إدارة المجال الجوي واتخاذ القرار؟

على مدى أسابيع، حاول فريق "أثر" الحصول على إجابات لهذه الأسئلة عبر التواصل مع الجهات الرسمية العراقية في المكتب الإعلامي لرئاسة مجلس الوزراء العراقي، إضافة إلى نواب في لجنة الأمن الدفاع في مجلس النواب العراقي، لكن لم يحصل أي تجاوب، بل الرفض من قبل بعض النواب.

ولكن، وعبر قناة خاصة، حصلت "أثر" على توضيحات وإجابات من "أبو مهدي الجعفري"  المتحدث الرسمي باسم "سرايا أولياء الدم العراقية".

يرى "الجعفري" – الذي سيتكرر إسمه في سياق هذا التحقيق -  أن أصل المشكلة لا يتعلق بقدرات الرادارات نفسها، بل بمن يدير المجال الجوي العراقي. ويقول في مقابلته مع شبكة "أثر": "الرادارات كلها بيد الأمريكيين، وأحياناً يعطون الحكومة العراقية جزءاً من المعلومات للاستخدام المدني أو غير ذلك."

هذا التوصيف، يمكن أن يضاف إليه ما يرد في التقاير العسكرية التي تشير إلى أن العراق ما زال يعمل منذ سنوات على استكمال بناء منظومة دفاعه الجوي، في وقت يقر فيه مسؤولون عراقيون بالحاجة إلى تعزيز قدرات الرصد والاعتراض لتحقيق سيطرة أكبر على الأجواء.

يصير هذا الواقع بشكل بديهي سؤالاً آخر: هل يمكن للعراق الاستفادة من بيانات الرصد التي تمتلكها دول الجوار، ولا سيما السعودية الأقرب جغرافياً إلى الصحراء؟

تمتلك المملكة العربية السعودية واحدة من أكثر شبكات الإنذار المبكر تطوراً في المنطقة، إذ تعتمد على رادارات بعيدة المدى مرتبطة بمنظومات Patriot PAC-3 وTHAAD، إضافة إلى رادارات AN/TPY-2 المتخصصة في كشف وتتبع الصواريخ الباليستية على مسافات بعيدة. وقد أثبتت هذه الشبكة فاعليتها في رصد عدد كبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أُطلقت باتجاه المملكة خلال السنوات الماضية، رغم أن بعض الهجمات نجح في اختراق هذه الدفاعات الجوية.

تقنياً، يمكن لأي منظومات رادارية متقدمة أن تسهم في توفير إنذار مبكر إذا كانت مرتبطة بشبكات تبادل بيانات مشتركة. أما عملياً، فلا توجد معلومات علنية تؤكد وجود اتفاق بين بغداد والرياض يسمح بتبادل بيانات الرصد العسكري في الزمن الحقيقي، ما يجعل قدرة العراق على الاستفادة المباشرة من تلك الرادارات أمراً غير مثبت. ولكن، في المقابل، ثمة تسريبات صحفية ودبلوماسية، عن وجود تعاون إسرائيلي-خليجي (ومن بينها سعودي) في مجال الدفاع الجوي وتبادل المعلومات، خصوصاً بعد توقيع اتفاقات التطبيع عام 2020.

وهكذا، لا تكشف قضية الرادارات عن نقص تقني فحسب، بل عن معضلة سيادية أيضاً. فالدولة التي لا تمتلك صورة جوية مستقلة ومتكاملة عن أجوائها ستجد نفسها، في كل مرة تقع فيها ضربة غامضة أو تثار فيها رواية عن نشاط عسكري سري، عاجزة عن تقديم رواية رسمية تحسم الجدل.

العراق يدخل بنك الأهداف

حتى عام 2018، كان الاعتقاد السائد أن ساحة المواجهة الرئيسية بين الإسرائيليين ومحور المقاومة تتركز في الجغرافيا السورية، حيث كانت تل أبيب تنفذ ضربات متكررة ضد أهداف تقول إنها مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحلفائه.

غير أن هزيمة تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش)، وما رافقها من تعاظم حضور قوات محور المقاومة على جانبي الحدود بين العراق وسوريا، دفع المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية إلى إعادة النظر في خريطة التهديدات الإقليمية.

في حزيران/يونيو 2018، برزت أولى المؤشرات على هذا التحول عندما استهدفت ضربة جوية قوات مرتبطة بمحور المقاومة قرب الحدود العراقية السورية. لم تكن الحادثة معزولة، بل بدت وكأنها إعلان غير مباشر عن انتقال المواجهة إلى مرحلة جديدة.

ثم جاء عام 2019 ليشكل نقطة تحول أكثر وضوحاً.

سلسلة انفجارات وضربات غامضة طالت مواقع ومستودعات تابعة للحشد الشعبي في مناطق متفرقة من العراق. آمرلي، معسكر الصقر، قاعدة بلد والقائم. هي مواقع متباعدة جغرافياً، لكنها ارتبطت جميعها بعنوان واحد: البنية العسكرية للقوى الحليفة لإيران داخل العراق.

لاحقاً، نقلت وسائل إعلام دولية عن مسؤولين أمريكيين أن إسرائيل كانت وراء بعض تلك الضربات، في إطار سياسة تهدف إلى منع ترسخ النفوذ الإيراني وتعطيل القدرات العسكرية التي ترى تل أبيب أنها تشكل تهديداً مباشراً لأمنها.

لكن الحكومة العراقية لم تتمكن، حينها، من تقديم رواية رسمية متماسكة تنهي الجدل أو تجيب عن السؤال الذي بدأ يتردد بقوة داخل الأوساط السياسية والأمنية العراقية: إذا كانت "إسرائيل" قادرة على الوصول إلى أهداف داخل العراق، ليس فقط بواسطة الغارات الجوية، فكيف تصل إلى تلك الأهداف؟ ومن أين تعمل؟

صحراء العراق... الجغرافيا المنسية

صحراء العراق... الجغرافيا المنسية

لفهم الروايات المتعلقة بالنخيب والنجف والسماوة، لا بد من فهم الجغرافيا أولاً.

تمتد الصحراء الغربية والجنوبية للعراق على مساحات هائلة قليلة السكان. طرق محدودة وتجمعات بشرية نادرة ومسافات يصعب مراقبتها بصورة كاملة.

بالنسبة للعسكريين، تمثل هذه المناطق بيئة مثالية للمراقبة والرصد والتحرك السرّي. وبالنسبة لأي قوة تبحث عن موقع مؤقت للعمليات، فإن الصحراء توفّر ميزة أساسية: العزلة.

ولهذا السبب بدأت الأنظار تتجه نحو هذه المناطق بعد انتشار روايات وتقارير صحفية ومراكز دراسات عربية عن تحركات عسكرية عزاها البعض لخلايا تنظيم داعش بعد العام 2017، وقواعد ثابتة يتم من خلالها تأمين حركة انتقال زعماء هذه الخلايا.

لكن هل توجد أدلة حاسمة؟ الجواب لا، على الأقل حتى الآن. فالمصادر المفتوحة وصور الأقمار الصناعية المتاحة للعامة لا تكفي وحدها لإثبات وجود قاعدة أو قواعد دائمة وثابتة غرب العراق أو على الحدود العراقية السورية. لكنها معطيات وتقارير تكفي لإثارة الأسئلة!

"سرايا أولياء الدم": العراق ما زال محتلاً

في محاولة لفهم ما جرى في صحراء النجف، أجرى فريق "أثر" على مدى أسابيع سلسلة اتصالات ومراسلات بعشرات الشخصيات الرسمية والمكاتب الإعلامية لمؤسسات حكومية ونواب من مختلف التيارات السياسية العراقية.

كل الصمت والامتناع عن التعليق حول حقيقة ما جرى خلال شهر آذار/مارس 2026 أفضى إلى حقيقة واحدة: لا توجد رغبة لدى أي تيار سياسي في الحديث عن الموضوع بالغ الحساسية، ربما لمصالح سياسية، وربما لتجنّب التورط في تقديم أي معلومة أو التورّط في الإجابة عن أسئلة، قد تكون محرجة.

بعدها إنتقل الفريق لمسار التواصل مع مصادر المقاومة العراقية.

أحد الوسطاء في العراق أمّن وسيلة تواصل مع الناطق باسم "سرايا أولياء الدم"  أبو مهدي الجعفري، الذي طلب الأسئلة مكتوبة.

في غضون أيام، وصلت الإجابات التي قدم فيها "الجعفري" رواية تفصيلية حول الحادثة التي تحولت لاحقاً إلى واحدة من أكثر الروايات تداولاً في الأوساط الأمنية والسياسية العراقية.

يقول "الجعفري" إن بداية القصة لم تكن من جهاز استخباري، ولا من منظومة مراقبة عسكرية متطورة، بل فعلاً كما أشيع، من راعٍ عراقي كان يتنقل في عمق الصحراء. ويؤكد بأن الراعي "الشمّري" أبلغ السلطات العراقية بوجود عملية إنزال غامضة في المنطقة، الأمر الذي دفع جهات مرتبطة بالحشد الشعبي إلى نقل المعلومات إلى القيادات العسكرية العراقية المختصة.

ويؤكد "الجعفري" أن الحشد الشعبي لم يتحرك بصورة مستقلة، بل التزم بالتسلسل العسكري الرسمي، موضحاً أن الأمر وصل إلى قيادة العمليات ورئاسة أركان الجيش العراقي.

ويقول: "إن حقيقة وجود قاعدتين إسرائيليتين في صحراء النجف أمر وارد جداً، بدليل الراعي الذي أخبر السلطات العراقية بوجود إنزال، وأبلغ منتسبي الحشد بما شاهده. وبعد أن نُقلت المعلومات إلى القيادات الموجودة في قاطع العمليات، لم يتحرك الإخوة في الحشد إلا بأمر الجيش العراقي، لأن الحشد لا يعالج مثل هذه القضايا من دون موافقة القيادة العسكرية الرسمية."

وبحسب "الجعفري"، فإن رئيس أركان الجيش العراقي آنذاك "عبد الأمير يار الله" رفض السماح للحشد بالتوجه إلى الموقع بسبب حساسية الموضوع، وقرر أن تتولى قوة من الجيش العراقي وحرس الحدود مهمة التحقق من البلاغ.

لكن ما حدث لاحقاً، وفق الرواية نفسها، كان مفاجئاً.

يقول "الجعفري" إن القوة العراقية لم تتمكن من الوصول إلى المكان، فما إن اقتربت من الموقع حتى تعرضت لقصف عنيف.

ويضيف: "مجرد أن اقتربت القوة من المنطقة، بدأت تتعرض لقصف بالمدفعية الثقيلة. وعلى أثر هذا القصف استشهد أحد المنتسبين وجُرح اثنان آخران، واضطرت القوة إلى التراجع والعودة."

ولم يؤكد "الجعفري" أو ينفِ حقيقة مقتل الشاهد الوحيد أثناء ذلك القصف أو بعده.

هذه الرواية تفتح الباب أمام سلسلة من الأسئلة الصعبة.

من هي الجهة التي كانت موجودة في المنطقة؟ ومن الذي امتلك القدرة على حماية الموقع بالنيران ومنع القوات العراقية الرسمية من الاقتراب منه؟

أعاد الفريق مرّة أخرى التواصل مع "أبو معهدي الجعفري" عبر الوسيط للحصول على المزيد من التوضيحات. أيامٌ إضافية ووصلت الإجابات ثانيةً.

ربط "الجعفري" الإجابة على هذه الأسئلة بملف السيادة الجوية. بحسب رأيه، فإن العراق لا يمتلك السيطرة الكاملة على مجاله الجوي.

ويقول: "بكل صراحة، العراق ما زال بلداً محتلاً. لا يوجد عندنا رصد جوي حقيقي، ولا توجد لدينا رادارات مستقلة. الرادارات كلها بيد الأمريكيين، وأحياناً يعطون الحكومة العراقية جزءاً من المعلومات للاستخدام المدني أو غير ذلك."

ويمضي أبعد من ذلك عندما يعتبر أن هذا الواقع هو الذي يسمح بحدوث مثل هذه الاختراقات، التي تثبت مرّة أخرى أن السيادة العراقية تقع تحت تهديد مباشر من الاحتلال الأميركي غير المعلن.

ويضيف: "الأجواء كلها بيد الأمريكيين، والحكومة العراقية عاجزة عن فعل أي شيء، لأنهم يهددونها بالعزلة الدولية والعقوبات وقطع الدولار."

ولا يربط "الجعفري" الحادثة بمشروع "إسرائيل الكبرى" بقدر ما يربطها بالمواجهة الإقليمية مع الجمهورية الإسلامية في إيران. وبحسب رؤيته، فإن "الهدف الأساسي من هذه المواقع المحتملة يتمثل في مراقبة واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة المرتبطة بمحور المقاومة".

كما يطرح فرضيتين إضافيتين؛ الأولى استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ عمليات ضد دول الجوار ثم تحميل مسؤوليتها لفصائل المقاومة، والثانية استهداف منشآت نفطية عراقية وإلصاق التهمة بالقوى المسلحة العراقية أو بالحرس الثوري الإيراني.

هذه المعطيات والاستنتاجات – برغم أهميتها وحصريتها على ساحة التصريحات العراقية - تبقى ضمن إطار تقديرات المصدر ورؤيته السياسية والأمنية، إذ لم يتمكن فريق التحقيق من العثور على أدلّة مستقلة تؤكدها.

ويكشف الجعفري أيضاً أن السلطات العراقية عادت إلى الموقع بعد أكثر من شهر من الحادثة.

ويقول: " ذهبت الحكومة إلى المكان بعد أكثر من خمسة وأربعين يوماً، ولم تجد سوى بعض الأرزاق الجافة المتروكة وبعض الأعتدة التي استُخدمت في ضرب القوة العراقية.".

هنا تنتهي رواية الجعفري، لكن الأسئلة التي تطرحها لا تنتهي. وربما يكون السؤال الأكثر إثارة للانتباه في رواية "الجعفري" لا يتعلق فقط بالجهة التي كانت موجودة في الصحراء، بل بطريقة تعامل المؤسسات الرسمية مع الحادثة نفسها.

فإذا كانت السلطات العراقية قد تلقت بلاغاً عن عملية غامضة داخل أراضيها، وتعرضت قوة عسكرية عراقية للقصف أثناء محاولتها التحقق من الموقع، لماذا لم تتحرك الجهات الرسمية بصورة عاجلة للكشف عن حقيقة ما جرى؟

ولماذا احتاجت، بحسب رواية الجعفري، إلى أكثر من خمسة وأربعين يوماً للعودة إلى الموقع؟ وهل كان التأخير نتيجة صعوبات ميدانية وأمنية، أم بسبب حساسية الملف والجهات المحتمل ارتباطها به؟

أسئلة لم تقدم الحكومة العراقية إجابات واضحة عنها حتى الآن، ما يضيف مزيداً من الغموض إلى واحدة من أكثر الحوادث إثارة للجدل في الصحراء العراقية خلال السنوات الأخيرة.

الحكومة العراقية... صمت الأسئلة الصعبة

لم يكتفِ فريق "أثر" بالاعتماد على التقارير الدولية وروايات المصادر الميدانية، بل سعى إلى الحصول على الرواية الرسمية العراقية بشأن الحادثة وما أثير حولها من تقارير تتحدث عن نشاط إسرائيلي في صحراء النجف.

وعلى مدى شهر كامل، تواصل فريق التحقيق مع عدد من الجهات الحكومية والعسكرية العراقية، من بينها مكتب القائد العام للقوات المسلحة، ووزارة الدفاع، ووزارة الداخلية، وقيادة العمليات المشتركة، وقيادة حرس الحدود، إضافة إلى مسؤولين أمنيين وبرلمانيين، طالباً توضيحات رسمية بشأن الواقعة، وحقيقة ما ورد في تقارير دولية، والإجراءات التي اتخذتها السلطات العراقية للتحقق من تلك المزاعم.

ورغم تكرار الاتصالات والمراسلات وطلبات التعليق، لم يتلقَّ فريق التحقيق أي رد رسمي حتى لحظة النشر.

ولا يثبت هذا الصمت صحة الروايات المتداولة أو ينفيها، لكنه يطرح بدوره أسئلة استقصائية مشروعة: لماذا امتنعت الجهات الرسمية عن تقديم روايتها؟ وإذا كانت كل الروايات التي تناقلتها الصحف والوكالات الأجنبية وشهادات الشهود غير صحيحة، فلماذا لم تبادر المؤسسات العراقية إلى نفيها بالأدلة؟ وإن كانت صحيحة أو تتضمن جزءاً من الحقيقة، فلماذا لم يُفتح تحقيق رسمي يوضح للجمهور ما جرى في عمق الصحراء العراقية؟

وفي القضايا المرتبطة بالسيادة الوطنية، لا يكون الصمت موقفاً محايداً، بل قد يتحول إلى جزء من القصة نفسها، تاركاً فراغاً تملؤه التسريبات والتقارير  الصحفية والروايات المتضاربة، بينما تبقى الحقيقة الرسمية غائبة بـ"قرار سياسي" حازم، وهذا أيضاً جزءٌ من الحقيقة: يُمنع تداول الموضوع!

بين واشنطن وتل أبيب

يصعب فهم الجدل حول الوجود الإسرائيلي داخل العراق بمعزل عن الدور الأمريكي، فواشنطن تمتلك حضوراً عسكرياً واستخبارياً واسعاً في المنطقة، كما أنها الحليف الاستراتيجي الأول لـ"إسرائيل".

ومن وجهة نظر كثير من القوى العراقية، فإن البيئة التي نشأت بعد عام 2003 وفرت ظروفاً سمحت لقوى متعددة بالعمل داخل العراق بدرجات متفاوتة من الحرية.

ومن هنا تنشأ فرضية متداولة داخل بعض الأوساط العراقية: إذا كانت الدولة عاجزة عن منع الاختراقات الجوية المتكررة، فهل تستطيع منع نشاطات استخبارية أو عسكرية أجنبية محدودة داخل الصحارى الشاسعة؟

السؤال لا يملك جواباً حاسماً، لكنه يعكس حجم أزمة الثقة القائمة.

ماذا تقول المصادر المفتوحة؟

عند مراجعة التقارير الدولية خلال السنوات الأخيرة، يظهر نمط متكرر يثير القلق أكثر مما يقدم الإجابات. تقارير تتحدث عن ضربات أو نشاطات إسرائيلية داخل العراق أو على حدوده، يقابله نفي رسمي أو صمت حكومي، ثم تسريبات من مسؤولين أمريكيين أو غربيين، ثم تختفي القضية تدريجياً من التداول الإعلامي من دون تحقيقات معلنة أو نتائج حاسمة.

قد لا يكون هذا النمط كافياً لإثبات وجود قواعد إسرائيلية داخل العراق، لكنه يكشف حقيقة أكثر خطورة: الدولة العراقية ما زالت تعاني من أزمة سيادة حقيقية على أرضها وسمائها. فالدولة التي لا تستطيع أن تقدم لمواطنيها رواية واضحة حول ما يجري داخل حدودها، ولا تكشف بصورة شفافة حقيقة الضربات والاختراقات التي تتعرض لها، تترك المجال مفتوحاً أمام الشكوك والتسريبات، بل والإتهام المشروع بالتستّر.

وربما لا تكمن المشكلة الأساسية في وجود قوة معادية هنا أو هناك، بل في أن العراق ما زال، بعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي، يفتقد للسيادة الكاملة، وعن القدرة على أن يكون صاحب القرار الأول والأخير فيما يجري فوق أراضيه وتحت سمائه.

نتيجة التحقيق

نتيجة التحقيق

بعد مراجعة الروايات والشهادات والتقارير الدولية والمصادر المفتوحة، يمكن الوصول إلى مجموعة من النتائج.

  1. لا توجد أدلة علنية حاسمة تثبت وجود قواعد إسرائيلية دائمة داخل العراق بالمعنى العسكري التقليدي.

  2. توجد روايات وشهادات وتقارير دولية تتحدث عن نشاطات إسرائيلية مؤقتة أو مواقع عمليات مرتبطة بالحرب على إيران.

  3. تكشف الوقائع المؤكدة وجود مشكلة حقيقية تتعلق بقدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها الكاملة على المجال الجوي وبعض المناطق النائية.

  4. مساهمة سلبية لدول الجوار العربي للعراق في إخفاء ما يتهدد أمن العراق، خصوصاً أن الوقائع أثبتت قدرة هذه الدول على الرصد المبكر لكل ما يتحرك في السماء المفتوحة على غرب تلك الدول، دون مراعاة القواعد التي تحكم سياسات المجاورة، ما يبلغ حدّ التواطؤ عن طريق التستّر على الممارسات العدوانية. وربّما ما قامت به السعودية من استهدافات داخل الأراضي العراقي يشي بتصعيد سيطال أولاً وأخيراً سخونة حدودية غير محودة العواقب في ظل الاستقطاب الحاد بين حلفاء واشنطن وتل أبيب في المنطقة.

  5. إن أخطر ما تكشفه هذه القضية ليس احتمال وجود موقع سري هنا أو هناك، بل احتمال تحول العراق نفسه إلى مساحة مفتوحة تتنافس فوقها القوى الإقليمية والدولية فيما تبقى الدولة عاجزة عن تقديم رواية واضحة لمواطنيها.

الخاتمة

ربما لم يعرف الراعي الذي أبلغ عن النشاط الغامض في الصحراء أنه فتح باباً لسؤال أكبر بكثير من الحادثة نفسها، أدّت محاولة الإجابة عنه بحياته.

فالقضية ليست في الرجال الذين هبطوا من المروحيات، ولا في الموقع الذي اختفى بعد ذلك، ولا حتى في الجهة التي كانت موجودة هناك.

القضية الحقيقية هي أن رواية الراعي، التي تقاطعت في جوانب منها مع ما ورد في تقارير دولية وشهادة أبو مهدي الجعفري، أعادت طرح السؤال الذي يلاحق العراق منذ أكثر من عقدين: من يملك القرار على هذه الجغرافيا الحسّاسة؟

فالسيادة تُقاس بقدرة الدولة على معرفة من يدخل حدودها، ومن يعبر أجواءها، ومن يتحرك في صحاريها، ومن يملك حق استخدام أرضها لتحقيق أهدافه العسكرية والأمنية.

إن رواية الراعي تكشف خللاً يتجاوز الحادثة نفسها. خللٌ جعل من العراق ساحة تتقاطع فوقها المصالح الأمريكية والإسرائيلية والإقليمية، وبيئة تسمح لقوى خارجية بالتحرك مستفيدة من هشاشة الرقابة وضعف السيطرة على بعض المناطق الشاسعة من البلاد.

ومن هنا، لا يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كانت هناك قوة إسرائيلية وصلت إلى صحراء النجف أو النخيب، بل كيف أصبحت الأراضي العراقية، بعد سنوات طويلة من الاحتلال والصراعات، عرضة لأن تُستخدم في مشاريع اسرائيل ولولايات المتحدة في المنطقة.

وفي ظل استمرار النفوذ الأمريكي على مفاصل أساسية من المنظومة الأمنية والعسكرية في العراق، يرى كثير من العراقيين أن هذا الواقع وفر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بيئة تسمح لإسرائيل بالعمل لتحقيق أهدافها الأمنية والعسكرية في المنطقة، مستفيدة من حالة الانكشاف التي تعاني منها الدولة العراقية.

هل كانت إسرائيل موجودة بالفعل في تلك الصحراء؟ وإذا كانت موجودة، فكيف وصلت إلى هناك؟ ومن الذي وفر لها القدرة على التحرك والعمل في عمق الأراضي العراقية؟

وهل كان الموقع الذي تحدثت عنه الروايات مجرد نقطة عمليات مؤقتة فرضتها ظروف الحرب مع إيران، أم جزءاً من استراتيجية أوسع تسعى من خلالها تل أبيب إلى توسيع نطاق عملها الاستخباري والعسكري في المنطقة؟

وهل كانت صحراء النجف والنخيب مجرد محطة عابرة في هذه الاستراتيجية، أم أن ما كُشف لا يمثل سوى جزءاً صغيراً من مشهد أكبر ما زالت تفاصيله مخفية؟

وحتى تظهر إجابات موثقة وحاسمة عن هذه الأسئلة، ستبقى قصة الراعي والمروحيات والصحراء واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل في العراق الحديث، وستبقى الرمال التي أخفت آثار الأقدام قادرة أيضاً على إخفاء كثير من الحقائق، التي إن كُشف النقاب عنها، قد تنكشف خطة "نفكيك الخرائط" في منطقةٍ تؤثر على اتجاهات الصراعات الدولية.

في بودكاست "أثر" على يوتيوب (https://www.youtube.com/@AtharPress) سنحاول فك هذه الأحجية المعقّدة، وهناك سيكتمل المشهد.